أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٧٤

74

أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي

ج - هل يجوز تقديم تنازلات أثناء المفاوضات؟

(مثال: ما حدث في صلح الحديبية).

من المعلوم أن المفاوضات من خصائصها وآثارها أن كل طرف لا يجوز له أن يتمسك بموقفه دون أن يتزحزح عن ذلك قيد أنملة، وإنما عادة تكون المفاوضات منطوية على بعض التنازلات، خصوصًا الشكلية التي لا تمس جوهر القضية أو المسألة محل التفاوض.

ومن المعلوم أنه أثناء مفاوضات صلح الحديبية) وافق النبي صلى الله عليه وسلم على

بعض التنازلات، خصوصا أمرين

1 - رد من يأتي إليه من المسلمين إلى قريش.

2 - محو عبارة (رسول الله حينما كتب الكاتب من «محمد رسول الله» فقال المشركون: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك.

ويوافق الفقه الإباضي على إمكانية تقديم تنازلات شكلية أثناء المفاوضات الدولية. يكفي أن نذكر أنه بخصوص هذا التنازل الأخير الذي تم في صلح الحديبية، يقول الشيخ بيوض: «فما دامت كلمة «باسمك اللَّهُمَّ» ليس فيها طعن في حق المولى تعالى، وما دام عدم كتابة كلمة «رسول الله» لا يزيد في جوهر القضية ولا ينقص منها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى

(1) بخصوص مفاوضات صلح الحديبية، قيل إنها «تظهر لنا حكمة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد نظره، ودقة ملاحظته، وشدَّة صبره وحنكة دهائه، أو كما يعبّرون عنها اليوم بالمهارة السياسية، أو المهارة الدبلوماسية، وهذا ما يجب أن نتتبعه بدقة حتى نستفيد منه، ونحن في حاجة ماسة إلى مثل هذه السيرة النبوية التي تضيء لنا الطريق في كل مضيق، فهي تلقي أضواء

ذا

على طرقنا في معالجة المشاكل والخصومات، ولا أفضل من الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن الذي نستضيء بنوره، ونهتدي بهديه، ونقتدي بسُنَّته أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم، وضل من يتخذ علوج الروم والفرنجة والكفرة والملاحدة أسوة يقتدي بهم». الشيخ بيوض: في رحاب القرآن، ج 19، ص 41 (تفسير سورة الفتح).