أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٨٤

84

أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي

وما يقرره الإمام النووي من جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام يسري - بداهة - على المنازعات الدولية باعتبارها من أولى المهمات العظام، إن لم تكن أولاها.

في

وقرر فقهاء المسلمين إمكانية اللجوء إلى التحكيم الدولي ليس فقط وقت السلم، وإنما أيضًا في وقت الحرب. ولا شك أن ذلك يدل على

تحبيذهم أيضا الحل السلمي للنزاع بدلا من إراقة الدماء.

وهكذا يقول ابن جماعة:

«إذا حاصر المسلمون قلعة فطلب أهلها أن ينزلوا على حكم حاكم، جاز، بشرط أن يكون عدلا ثقة مأمونا، ولا يحكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين، كما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة لما سألوا أن ينزلوا على حكمه، فحكم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم».

وروي أن قريشًا هدمت الكعبة، فلما بلغوا الحجر الأسود أرادت كل قبيلة أن ترفعه حتى تواعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار وبنو عدي جفنة مملوءة دما فأدخلوا أيديهم فيها، وتحالفوا على الموت، وأقاموا أربع ليال على ذلك، ثم اجتمعوا وكان أبو أمية بن المغيرة يومئذ سيد قريش، فقال: يا معشر قريش اجعلوا فيما تختلفون فيه أول من يدخل عليكم من باب هذا المسجد أن يقضي بينكم فرضوا بذلك، فكان ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه الخبر، فقال: «هلموا إليَّ ثوبًا، فجاءوا به فبسطه ثم أخذ الركن فلفه فيه، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه»، ففعلوا جميعًا، حتى

بلغوا موضعه، فوضعه النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه فكانت الكعبة كذلك (2).

(1) ابن جماعة: تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، دار الثقافة، الدوحة، 1408 هـ - 1988 م، ص 185. (2) الشيخ أبو عبيد السليمي: هداية الحكام إلى منهج الأحكام المرجع السابق، ص 188 – 189.