الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٨=
128
أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي
والثاني: الممارسات العملية للدولة الإسلامية والتي ورد فيها تطبيقات حرفية لما قلناه، سواء في معاهدات دولية أو في تطبيقات واقعية تؤيد ذلك. ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم حدث أن أبرم معاهدة مع أهل خيبر اشترط عليهم بعض الشروط، إن خالفوها فلا ذمة لهم ولا عهد فخالفها بعضهم فاعتبر النقض فيمن خالف دون غيرهم ولم يسرِ نقض المعاهدة على الجميع. ومن ذلك رسالة المولى إسماعيل إلى ملك أسبانيا حول أسرى العرائش (وعددهم مائة) وملخصها أنهم أرسل إليهم الأمان قبل الوقوع في الأسر إلا أنهم تمردوا وارتكبوا أفعالا استوجبت الإمساك بهم وأسرهم، وبالتالي عدم الوفاء بالأمان الذي سبق وأن أُعْطِي لهم، وقد ذكر العلماء المولى إسماعيل بمسألة غدر أسلاف ملك أسبانيا بأهل غرناطة وبغيرهم من أهل الأندلس في كل بلد وقرية. يقول المولى إسماعيل: إنه بذلك أصبح في حيرة كبيرة لوجهين:
الأول: لا نقدر نخالف شريعتنا التي هي أساس ديننا.
الثاني:
أحببنا الوفاء للأسرى وأنفت نفوسنا أن يسمع عنا الناس: قلنا كلمة ولا نوفي بها؛ لذا طلب المولى 5000 كتاب من كتب الإسلام الموجودة عند الأسبان مقابل 50 أسيرًا وفك 500 أسير مسلم مقابل الخمسين الباقين. ثم استفتى المولى إسماعيل العلامة اليوسى، فأجاب: إنْ ثبت الأمان فلا محيد عن العمل به لأنه كيف نرضى أن تمسح الروم وعوارضها ضحكا منا وإنا غدرنا فلم نقم شرعنا ولا فعلنا فعل الكرام» (3).
(1) ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، ج 2، ص 62 - 77. (2) ويضيف: «وأما تحسين ذلك بالنظر في أفعال الآباء، وأفعال الجنس من غير مشاركة في الفعل بوجه من الوجوه فلا يستقيم. كيف والقوم أهل حرب وعداوة متصدون لكل شر وفتك وغدر ومكر وأضرار منذ خوطبوا بالإسلام ولم يسلموا وهلم جرا. ولم ينقطع هذا الحكم عنهم أعني التأمين قط، ولا روعي فيه ما عسى أن يجره الأجداد على الأولاد؛ إذ كل نفس إنما تكلف بما جنت فعلا أو أعانته
بوجه،
كما قال تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]،