الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٠أحكام القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي
إمكانية أن ينظر القاضي المسلم في منازعات غير المسلمين
إذا جاؤوا إليه:
وهذه قاعدة منطقية تتفق مع الفطرة والسليقة الحسنة، لأنه إذا لم يحضر أطراف النزاع كلهم أو أحدهم، فإن القاضي لن يعرف طبيعة النزاع ومداه، القاضي يتقيد بحدود ما هو مطلوب منه، وهو
فضلا
عن
أن القاعدة تقرر أن
ما يفترض حضور الخصوم أو على الأقل أحدهم. فإذا لم يحضر أحد، فلن يكون هناك نزاع مطروح أمامه.
يؤيد ما قلناه ما جاء في بيان الشرع:
القسم الأول: ما هو خاص بذات الذمي من عبادته كصلاته وذبحه وغيرها مما هو من الحلال والحرام. وهذا لا اختلاف بين العلماء في أن أئمة المسلمين لا يتعرضون لهم بتعطيله إلا إذا كان فيه فساد عام كقتل النفس.
القسم الثاني: ما يجري بينهم من المعاملات الراجعة إلى الحلال والحرام في الإسلام، كأنواع من الأنكحة والطلاق وشرب الخمر والأعمال التي يستحلونها ويحرمها الإسلام. وهذه أيضا يقرّون عليها، قال مالك: لا يقام حد الزنا على الذميين، فإن زنى مسلم بكتابية يحد المسلم ولا تحد الكتابية. قال ابن خويز منداد: ولا يرسل الإمام إليهم رسولا ولا يحضر الخصم مجلسه.
القسم
الثالث: ما يتجاوزهم إلى غيرهم من المفاسد كالسرقة والاعتداء على النفوس والأعراض. وقد أجمع علماء الأمة على أن هذا القسم يجري على أحكام الإسلام، لأنا لم نعاهدهم على الفساد، وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]، ولذلك نمنعهم من بيع الخمر للمسلمين ومن التظاهر بالمحرمات.
القسم الرابع: ما يجري بينهم من المعاملات التي فيها اعتداء بعضهم على بعض كالجنايات، والديون، وتخاصم الزوجين. فهذا القسم إذا تراضوا فيه بينهم لا نتعرض لهم، فإن استعدى أحدهم على الآخر بحاكم المسلمين. فقال مالك: يقضي الحاكم بينهم فيه وجوبًا، لأن في الاعتداء ضربًا من الظلم والفساد، وكذلك قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر. وقال أبو حنيفة: لا يحكم بينهم حتى يتراضى الخصمان معًا.
ابن عاشور التحرير والتنوير، ج 6، ص 205 - 206.