أحكام القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٢

42

أحكام القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي

ثانيًا: هل يلتزم القاضي المسلم بالفصل في النزاع إذا طرحه غير المسلمين عليه؟ (موقف الفقه من قوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَأَحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42]):

للإجابة على هذا السؤال، يمكن القول إنه توجد اتجاهات ثلاثة:

الأول - يعطي للقاضي الخيار بين الحكم أو الإعراض عنه: وقد أخذ بذلك الفقه الحنبلي. يقول الإمام أبو عبد الله: «إذا تحاكم اليهود والنصارى إلينا أقمنا عليهم الحدود وعلى ما يجب، فإن لم يحتكموا فليس للحاكم أن يتتبع شيئًا في أمورهم ولا يدعون إلى حكمنا حتى يحكم

عليهم. قال الله تعالى: {فَإِن جَاءُوكَ فَأَحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ.

عنهم

فإن لم يحكم فلا بأس والنبي صلى الله عليه وسلم قد حكم لما احتكموا إليه ولو أعرض

لكان له ذلك» (1).

وهو

ما أخذ به أيضا الفقه الجعفري:

«الترافع في المحاكم الإسلامية .... (الذميان إذا ترافعا) إلينا (كان الحاكم بالخيار بين أن يحكم بينهما بمقتضى شرعنا، لعموم الأدلة، ولأنهم مكلفون بالفروع، ولقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ اللهُ﴾ [النساء: 105] (وبين ردهما إلى أهل نحلتهما لإقرارهم عليها المقتضي لجواز الإعراض عنهم في ذلك … » (2).

أما الحنفية فإنهم لم يفرقوا بين مسلم وغير مسلم في الوطن الإسلامي من ناحية الخضوع إلى ولاية القضاء إلا بالنسبة لمسائل الأنكحة وما يتعلق بها، لكن الإمام اشترط لنظرها اتفاق طرفي الخصومة على عرضها على قضاتنا. واكتفى الصاحبان لصحة نظرها احتكام أحد طرفي الدعوى إلينا».

د. محمد سلام مدكور معالم الدولة الإسلامية، ص 365.

(1) الإمام الخلال: أحكام أهل الملل، ص 122.

(2) الشيخ هلال اللواتيا فقه العيش مع الآخر من منظور فقه المذهب الجعفري، ندوة تطور العلوم الفقهية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، 1434 هـ ـ 2013 م، ص 108.