الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٣الباب الأول: الاختصاص القضائي في منازعات القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي
43
الثاني - يفرق بين طبيعة النزاع المطروح على القاضي:
يذهب هذا الاتجاه إلى أن القاضي المسلم يلتزم بالفصل في المنازعات التي يرفعها إليه غير المسلمين إذا كان لرفع ظلم واقع عليهم، لأننا أمرنا بعدم السماح بتعرضهم للظلم في دار الإسلام الأمر الذي يعني ـ لدى أصحاب هذا الاتجاه بمفهوم المخالفة - جواز إعراضه عن الفصل في غير ذلك من المنازعات.
يقول ابن تيمية: «وحقيقة الآية إن كان مستجيبًا لقوم آخرين لم يأتوه، لم يجب عليه الحكم بينهم، كالمعاهد من المستأمن وغيره، الذي يرجع إلى أمرائه وعلمائه في دارهم، وكالذمي الذي إن حكم له بما يوافق غرضه وإلا رجع إلى أكابرهم وعلمائهم، فيكون متميزا بين الطاعة لحكم الله ورسوله، وبين الإعراض عنه. وأما من لم يكن إلا مطيعا لحكم الله ورسوله، ليس عنه مندوحة كالمظلوم الذي يطلب نصره من ظالمه وليس له من ينصره من أهل دينه. فهذا ليس في الآية تخيير. وإذا كان عقد الذمة قد أوجب نصره من أهل الحرب، فنصره ممن يظلمه من أهل الذمة أولى أن يوجب ذلك» (1).
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية جمع وترتيب ابن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي، مطابع الحكومة، الرياض، 1381 هـ، ج 28، ص 197 - 198. ويذهب الشيخ المراغي أن هناك ثلاثة آراء بخصوص ما يطبقه القاضي على من يسكن في دار الإسلام من غير المسلمين كالذميين والمستأمنين:
أحدها: وجوب القضاء عليهم إذا ترافعوا إلى قضاتنا بأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا قول أبي حنيفة مستدلا بقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَأَحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فقد أفادت هذه الآية اشتراط المجيء من غير المسلمين، ثم بعد مجيئهم يخيّر القاضي بين الحكم عليهم بأحكام الإسلام أو الإعراض ثم نسخ التخيير بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ وروى عن الحسن: «خلو بين أهل الكتاب وبين حاكمهم وإذا ترافعوا إليكم فأقيموا عليهم ما في كتابكم وعن ابن عباس قال: «آيتان نسختا من سورة المائدة: آية القلائد، وقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فكان رسول الله مخيَّرا. إن شاء =