الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤44
أحكام القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي
ويقول ابن العربي: وجملة الأمر أن أهل الكتاب مصالحون، وعمدة الصلح ألا يُعرض لهم في شيء، وإن تعرضوا لنا ورفعوا أمرهم إلينا فلا يخلو أن يكون ما رفعوه ظُلما لا يجوز في شريعة، أو مما تختلف فيه الشريعة؛ فإن كان مما لا تختلف فيه الشرائع كالغصب والقتل وشبهه لم يمكن بعضهم من بعض فيه. وإذا كان مما تختلف فيه الشرائع ويحكموننا فيه ويتراضوا بحكمنا عليهم فيه فإن الإمام مخير إن شاء أن يحكم بينهم حكم، وإن شاء أن يُعرض عنهم أعرض.
حكم أو أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم حتى نزلت وَآنِ أَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ) فزال التخيير ووجب الحكم
عليهم بشريعتنا.
وثاني
الآراء: التخيير بين الحكم والإعراض عنهم بعد مجيئهم إلى قاضي المسلمين، وهذا قول مالك والحسن والشعبي استنادًا منهم إلى عدم النسخ في آية التخيير، والإمام الشافعي روى عنه هذا الرأي والذي قبله؛ وثالث الآراء: وجوب الحكم عليهم وإن لم يترافعوا إلينا، ودليل هذا الرأي أن الإجماع قد انعقد على أن الذمي إذا سرق تقطع يده فالأحكام تجري عليهم وإن لم يترافعوا إلينا، ولا فرق بين تنفيذ العقوبة عليهم وتنفيذ أي حكم آخر عليهم، لأن المصلحة تتحقق بتنفيذ أحكام الإسلام على كل من يسكن بلاد المسلمين، وهناك تفصيل يفرق بين الأحكام التي يجب تنفيذها على الذميين والتي لا يجب تنفيذها عليهم، فإن ترافعوا إلينا في الأنكحة وغيرها من حقوق الله ورضي الخصمان بأحكام الإسلام نفذت عليهم. وأما العقوبات فتنفذ عليهم قهرًا وإن لم يترافعوا إلينا صيانة للمجتمع ومنعا للفساد، والقول بتنفيذ جميع أحكام الإسلام عليهم القول بسيادة القانون في إقليمه في عرف المشرعين الوضعيين، لأن القانون الدولي نص على إقليمية القوانين، ووجوب تطبيقها في كل إقليم على جميع من يسكنه إلا في الأحوال الشخصية، فإن القانون الدولي يرى ترك
هو
في
أحكام الأحوال الشخصية للبلد الذي ينتسب إليه الشخص لا البلد الذي يقيم فيه، كما الأحوال الشخصية لغير المسلمين، بالنسبة إلى مصر، فإن قضاتها يطبقون في الأحوال الشخصية قوانين البلاد الأجنبية التي ينتسب إليها الأجانب ولا نقض في تلك الحالة لسيادة البلد لأن القائم بالأحكام فيها هم المصريون لا الأجانب». الشيخ عبد الله المراغي: الزواج والطلاق في جميع الأديان، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1385 هـ - 1966 م، ص 135 - 136.