أحكام القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٥١

الباب الأول: الاختصاص القضائي في منازعات القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي

51

- هل ينظر القاضي المسلم في النزاع إذا طلب منه طرف واحد فقط ذلك؟ من المعلوم أن أية خصومة تفترض وجود طرفين أمام القاضي. هذا هو الوضع العادي للأمور، لكن قد يرفض طرف المثول أمام القاضي، رغبة في تعطيل إجراءات الدعوى والسير فيها. الأمر الذي قد يؤدي إلى ضياع الحقوق وبطء الفصل في الدعوى.

ولتلافي ذلك هناك حلان:

الأول: أن يفصل القاضي في النزاع في غياب الطرف الذي لم يحضر، رغم علمه برفع دعوى عليه.

الثاني: أن يجبر القاضي الطرف الرافض على المجيء والمثول أمامه. وقد أخذ الفقه الإباضي بهذين الحلين، حتى في إطار المنازعات ذات الطابع الدولي.

القانون، ومحكمة العدل، والحكام أنفسهم، على ملتها؛ لكن الفريقين إذا تراضيا بدون إكراه على التحاكم أمام قاضي المسلمين فلا شيء يمنع ذلك القاضي من الفصل في قضيتهم. وقد صرح القرآن بمثل هذا حين قال: {فَإِن جَاءُوكَ فَأَحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [المائدة: 42]. وروى البخاري حادثة زنا بين يهودي ويهودية حضرا أمام النبي المدينة ليقيم عليهما الحد، فطلب التوراة وأمر برجمهما حسب أحكامها، وروى حادثة أخرى قتل فيها يهودي جارية راضا رأسها بين حجرين، فأمر النبي بإنزال عقوبة مماثلة في اليهودي القاتل عملا بأحكام التوراة. فلقاضي المسلمين إذا أن يطبق على أهل الذمة، إذا جاؤوه، قانونهم، لا قانون الإسلام. وقد جوّز الفقهاء أحيانًا تطبيق القانون الإسلامي أيضًا في مثل هذه القضايا، ولكن بشروط وتفصيلات لا نفيض بذكرها في هذه العجالة. أما إذا كان الفريقان المتخاصمان من ملتين مختلفتين فهذا أمر يتعلق بالحقوق الدولية الخاصة، أو ما يُسمَّى الآن بـ «تصادم القوانين». ويطبق عادة على مثل هذه القضايا قانون المدعى عليه (انظر ابن قيم الجوزية أحكام أهل الذمة، مطبعة جامعة دمشق، المرجع السابق، تقديم محمد حميد الله، ص 190.