أحكام القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٠١

الباب الأول: الاختصاص القضائي في منازعات القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي

101

يؤيد ما قلناه أيضًا أن اليهود أرادوا - بمجيئهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم في المسألة ـ الهروب من الحكم واجب التطبيق في شريعتهم، آملين أن يصدر النبي صلى الله عليه وسلم حكمًا أخف. فكان حكم التوراة، وهو ما أكده قوله تعالى في الآيات السابقة: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ)

[المائدة: 43].

وهو ذات ما عناه رأي في الفقه الإباضي عند تفسيره لتلك الآية). كذلك بخصوص قوله صلى الله عليه وسلم: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟»، يقول الإمام السالمي:

وهذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم وإنما هو لإلزامهم

وقال المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك: شرط الإحصان الإسلام، وأجابوا عن حديث الباب بأنه إنما رجمهما بحكم التوراة وليس هو من حكم الإسلام في شيء وإنما من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم فإن في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن قالوا: وكان ذلك أول دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وكان مأمورًا باتباع حكم التوراة والعمل بها حتى ينسخ ذلك في شرعه فرجم اليهوديين على ذلك الحكم ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 15]. ثم نسخ ذلك بالتفرقة بين من أحصن ومن لم يحصن .. إلخ.

فأطال النزاع بين مالك وغيره في اشتراط الذمة وعدمها، والإحصان وغيره، والإسلام وعدمه أقول: والجواب المتقدم في رجمه اليهوديين متعين لقول أبي إسحاق في شروط الرجم بأن يكون بالغا عاقلا … ».

ابن عمر: حاشية الترتيب للوارجلاني، ج 5، ص 65 - 66.

(1) يقول صاحب ذلك الرأي: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ الله) تنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة، الشرع، وإنما طلبوا به ما يكون أهون عليهم، وإن لم يكن حكم الله في زعمهم. ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَيكَ بِالْمُؤْمِنِينَ …

الكندي: التفسير الميسر للقرآن الكريم، ج 1، 1418 هـ ـ 1998 م، ص 315.