الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٣الباب الأول: الاختصاص القضائي في منازعات القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي
123
وقد ذكر الشيخ عليش نفس الرأي بصورة أكثر تفصيلا، حيث يقول:
«وكما لا تقبل شهادتهم كذلك لا يقبل خطاب حكامهم. قال ابن عرفة العالى: وشرط قبول خطاب القاضي صحة ولايته ممن تصح توليته بوجه احترازًا من مخاطبة قضاة أهل الجبال كقضاة مسلمي بلنسية وطرطوشة وخوصرة عندنا ونحو ذلك. اهـ. وسئل الإمام أبو عبد الله المازري الى عن أحكام تأتي في زمانه من صقلية من عند قاضيها أو شهود عدولها، هل ال يقبل ذلك منهم أم لا؟ مع أنها ضرورة ولا تدري إقامتهم هناك تحت أهل الكفر هل هي اضطرار أو اختيار؟ فأجاب القادح في هذا وجهان: الأول: يشمل القاضي وبيناته من ناحية اختلال العدالة إذ لا يباح المُقام في دار الحرب في قياد أهل الكفر، والثاني: من ناحية الولاية، إذ القاضي مولّى من قبل أهل الكفر، والأول له قاعدة يعتمد عليها في هذه المسألة وشبهها وهي تحسين الظن بالمسلمين ومباعدة المعاصي عنهم فلا يعدل عنها لاحتمالات كاذبة وتوهمات واهية كتجويز مَنْ ظاهره العدالة، وهذا التجويز مطروح والحكم للظاهر إذ هو الأرجح، إلا أن يظهر من الحال ما يوجب الخروج عن العدالة فيجب التوقف حينئذ حتى يظهر بأي وجه زوال موجب راجحية العدالة ويبقى الحكم لغلبة الظن بعد ذلك وهو مستفاد من قرائن محصورة فيعمل عليها وقرائن العدالة مأخوذة من أمر مطلق متلقى الشيخ عليش: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، مطبعة الحلبي، 1378 هـ ـ 1958 م، ج 1، ص 382). ويلخص لنا الشيخ أبو زهرة موقف الفقه الإسلامي من كتاب القاضي إلى القاضي بقوله: اتفاق الفقهاء على أن كتاب القاضي إلى القاضي يجب الأخذ به، لكن قد قرر بعض الفقهاء أنه لا الأخذ به في حدود الله تعالى؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، يصح ويقولون: إن من الشبهات أن يكون القاضي المنفذ هو الذي كان بين يديه الإثبات، ولأن جرائم الحدود جرائم للانزجار والردع العام وأنها تؤدي هذه الغاية إذا كان العقاب في مكان التنفيذ.
ومع
ولكن هناك قول في مذهب الشافعي يعتبر كتاب القاضي مقبولا في كل أنواع الأقضية بما فيها الحدود، وبهذا قال مالك لله، وحجته أن الحدود حقوق الله ثابتة، فكما أن كتاب القاضي إلى القاضي تنفذ به حقوق العباد، فحقوق الله تعالى أحق بالتنفيذ، ولأن ديار الإسلام لا يصح أن تعطل فيها الحدود التي قامت على أسبابها الأدلة، ولو امتنع تنفيذها بكتاب القاضي إلى القاضي لأدى ذلك إلى أن تتعطل الحدود، أما بالنسبة للجرائم الأخرى التي ليست حدودًا، فقد قال الشافعي ومالك فيها: إن كتاب القاضي بوجوب
التنفيذ فيها، سواء أكانت عقوبات بدنية أم كانت عقوبات مالية. وعلى ذلك يكون مذهب
=