الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥١الباب الثاني: التحكيم في منازعات القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي
151
جاز، بشرط أن يكون عدلا ثقة مأمونا، ولا يحكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين، كما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة لما سألوا أن ينزلوا على حكمه، فحكم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم.
- وروي أن قريشًا هدمت الكعبة، فلما بلغوا الحجر الأسود أرادت كل قبيلة أن ترفعه حتى تواعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار وبنو عدي جفنة مملوءة دمًا فأدخلوا أيديهم فيها، وتحالفوا على الموت، وأقاموا أربع ليال على ذلك، ثم اجتمعوا وكان أبو أمية بن المغيرة يومئذ سيد قريش، فقال: «يا معشر قريش اجعلوا فيما تختلفون فيه أول من يدخل عليكم من باب هذا المسجد أن يقضي بينكم»، فرضوا بذلك، فكان ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه الخبر، فقال: «هلموا إليَّ ثوبًا»، فجاؤوا به فبسطه ثم أخذ الركن فلفه فيه، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه»، ففعلوا جميعًا، حتى بلغوا موضعه فوضعه النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه، فكانت الكعبة كذلك (2).
4 ـ كذلك من أمثلة التحكيم في مسألة تتعلق بغير المسلمين، ما سبق ذكره حينما قدم الرسول إلى المدينة فجاء إليه اليهود وحكموه في رجل وامرأة زنيا بعد الإحصان (3). فهذا أيضا مثال على التحكيم في المنازعات الدولية الخاصة. لذلك في تفسيره لقوله تعالى (بخصوص هذه الواقعة): ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَنةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: 43]،
يقول أطفيش:
حي
(1) ابن جماعة: تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، دار الثقافة، الدوحة، 1408 هـ ـ 1988 م، ص 185. (2) الشيخ أبو عبيد السليمي هداية الحكام إلى منهج الأحكام المرجع السابق، ص 188 - 189. (3) أظفيش: تيسير التفسير، ج 4، ص 40 - 41.