الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦36
أحكام القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي
ومن المعلوم أن المجتمع المسلم لا يعيش معزولا، بل لا بد أن يكون مجاورًا ومتصلا بمجتمعات أخرى كافرة، ومن طبيعة أهل الأرض أن يختلط بعضهم ببعض، مؤمنهم بكافرهم، ويهوديهم بنصرانيهم
ويتفق ذلك مع ما قرره الإسلام وأكد عليه:
فقد حبَّذ الإسلام منذ البداية إقامة علاقات دولية مع الدول والشعوب الأخرى)، في قوله تعالى: {يَتَأَيُّها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 313).
ولعله يخلص من الآية السابقة أن الغرض من إقامة علاقات دولية
علاقات التعارف يحتم
(1) الشيخ بيوض: في رحاب القرآن جمعية التراث، غرادية - الجزائر، ج 20، ص 139 (قاله في معرض تفسيره للآية 13 من سورة الحجرات).
(2) يقرر رأي أن أصل مسالك الدين الأربعة وهي: الظهور، والدفاع، والشراء، والكتمان) من أهم ما يتميز به الإباضية في مجال الفكر السياسي. فهو يضع جملة من التعاليم والمبادئ يحدد الإباضية وفقهها مواقفهم السياسية في مختلف الظروف الزمانية والمكانية سواء المتعلقة بالشؤون الداخلية حيث تتواجد التجمعات الإباضية، أو المتعلقة بالشؤون الخارجية متمثلة في علاقاتهم بالدول الأخرى أو تكتلات مخالفيهم.
ولعل السر في استمرار البقاء الإباضي، منذ أن سطع نور الإسلام إلى يومنا هذا سواء البقاء الفكري في عقيدتهم وتعاليمهم، أو البقاء الاجتماعي في قبائلهم وشعائرهم، يعود إلى هذا الأصل الذي يضمن لهم أسباب التكيف والتأقلم مع الحياة وتطوراتها مع الأمم وساساتها،
مع المخالفين وعقائدهم، كل ذلك ضمن الإطار الشرعي وفي حمى الكتاب والسُّنَّة». عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية مكتبة الضامري، سلطنة عُمان، 1411 هـ ـ 1991 م، ص 149.
(3) بخصوص
هذه الآية، قيل: خلق الله بين الذكر والأنثى أنسابًا وأطهارًا وقبائل وشعوبًا، وخلق منها التعارف وجعل لهم بها التواصل للحكمة التي قدرها، وهو أعلم بها»، ابن العربي: أحكام القرآن، تحقيق: علي البجاوي، دار الجيل، بيروت، 1407 هـ ـ 1987 م، ج 4، ص 1725؛ القرطبي: أحكام القرآن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج 16، ص 342.