الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣٦436
أحكام القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي
2 - إن الاضطرار إلى الهجرة أو حتميتها يتوقف على الأحوال السائدة في الإقليم المراد مغادرته، فقد يختار الشخص - رغم تعرضه للمضايقات - إلى البقاء في الإقليم الذي يسكنه ولا يغادره إلى إقليم آخر إن كان ذلك لا يؤثر بطريقة جوهرية على ممارسته لحقوقه، أو لوجود أسباب تمنعه من المغادرة (الضعف أو مرض مثلا). دليل ذلك أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال في مكة مستضعفون من الذين قال الله تعالى فيهم: {وَمَا لَكُمْ لَا نُقَتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا لدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) [النساء: 75]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَيكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَهُهَا جِرُوا فِيهَا فَأُوْلَيْكَ مَأْوَلَهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَيكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُو عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوا غَفُورًا) [النساء: 97 - 99]، فقد كان في مكة عدد كبير من المستضعفين من المسلمين لا يملكون حيلة يستطيعون بها الخروج من مكة ولا يهتدون سبيلا، وقد وصفهم الله تعالى كذلك في قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالهَدَى مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ يَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَةٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: (25)، ويمكن أن يبقى المسلمون في أرضهم ولا يغادروها - خصوصا - في حالة احتلال دولتهم
(1)
فضل المدينة وفضل سكناها إلخ، والله أعلم» حاشية الترتيب للشيخ ابن أبي ستة على الجامع الصحيح لمسند الربيع، ج 2، المرجع السابق، ص 299، 303. (1) تحت عنوان: «حكم الإقامة في دار استولى عليها الاحتلال»، يقول مصطفى شريفي: «وإذ يدعو السالمي الناس إلى الصبر والتجلد أمام العدو نجده من جهة أخرى يدعو إلى الهجرة من البلاد التي احتلها الكفار إذا فتنوا المسلمين، فقال: ولا يقال إن الهجرة منسوخة بعد الفتح، لأنا نقول: إنما نسخت لما قوي المسلمون، وأمنوا من الفتنة من دينهم، واستطاعوا