الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٨٣الباب الثالث: القواعد واجبة التطبيق على مسائل الأحوال العينية في الفقه الإباضي
6 ـ العبرة بعموم اللفظ حتى يأتي دليل على تخصيصه:
383
إذ قوله: «ولا يقتل مسلم بكافر هو مذهب الجمهور (وإن استثنى مالك منه الذمي إذا قتل غيلة فإنه يقتل به).
وقد أخذ الفقه الإباضي بعموم اللفظ لتأييد رأي الجمهور، وهكذا قيل: «والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأن العبرة بعموم اللفظ حتى يقوم دليل على التخصيص، ولأن الحكم الذي يبنى في الشرع على الإسلام والكفر إنما هو لشرف الإسلام أو نقص الكفر أو لهما جميعًا
احتجت الحنفية على ذلك بأمرين:
«أحدهما: أنهم قالوا لو لم يلزم أن يستوي المعطوف والمعطوف عليه في المقدرات، لما لزم في قول القائل لا تقتل اليهود بالحديد ولا بالنصارى، أن يقدر: ولا النصارى بالحديد. والمعلوم أنه يجب التقدير هنا، فكذلك فيما ذكرناه. وثانيهما: أنه لو لم يقدر: «ولا ذو عهد في عهده بكافر»، لكان قوله صلى الله عليه وسلم: «في عهده» حشوا لا فائدة فيه، لأن قول: «ولا ذو عهد» يحصل به هذا المعنى كاملًا، فلا يحتاج إلى قوله: «في عهده»، لأنها إذا كانت مدة العهد قد انقضت، فليس بذي عهد حينئذ، وكلامه بعيد من الحشو والعبث، فيجب التقدير فرارًا من ذلك. وأجيب عن الاحتجاج الأول بأنه إنما لزم التقدير هنالك لقرينة، وهي كون النصارى ممن يقتل لكفرهم كاليهود، وعدم التقدير يستلزم أن لا يقتلوا بوجه من الوجوه، وهذا خلاف المشروع، فوجب أن يقدر النهي عن قتلهم مثل ما ظهر في النهي عن قتل اليهود تقديرًا لما علم أنه مشروع في حقهم من أن حكمهم حكم اليهود، إذ لو لم يُعلم ذلك من قبل النهي، لم يلتزم فيه وجوب ذلك التقدير، فافهم ذلك. وأجيب عن الاحتجاج الثاني بأنه لا نسلم أن قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا ذو عهده» يُغني عن قوله: «في عهده»، لأن قوله: «ولا ذو عهد» يصح إطلاقه على من قد عقد له عهد في وقت من الأوقات، سواء كان وقت العهد باقيا أم قد انقضى، فإنه نكرة مطلقة، ألا ترى أنه لو قال: لا يقتل ذو عهد احتمل أنه يريد النهي عن قتل من له عهد عن القتل، واحتمل أنه يريد من عقد له عهد في وقت من الأوقات، فإذا قال: «في عهده» ارتفع هذا الاحتمال، فظهرت فائدته لذلك الإمام السالمي: كتاب طلعة الشمس، ج 1،
ص 321 - 323.