أحكام القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٦

386

أحكام القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي

3 ـ ومن التفسيرات الجيدة في هذا الخصوص قول الماتريدي: والمسلم أحق أن يقتل بالكافر من الكافر بالمسلم. وذلك أن المسلم هتك حرمة الإسلام بقتل الكافر، لأنه اعتقد باعتقاد دين الإسلام حرمة دم

أبي حنيفة زائرًا للخليل صلوات الله عليه فسئل على العادة عن قتل المسلم بالكافر، فقال: الدليل عليه قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]. وهذا عام في كل قتيل. فانتدب معه للكلام فقيه الشافعية بها وإمامهم عطاء المقدسي، وقال: ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة فيه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الله قال: كتب عليكم القصاص»، فشرط المساواة في المجازاة، ولا مساواة بين المسلم والكافر، فإن الكفر حط منزلته ووضع مرتبه.

الثاني: أن الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها، وجعل بيانها عند تمامها، فقال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في القتلى المُرُ بِالْخرَ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بالانى) [البقرة: 178]، فإذا

نقص العبد عن الحر بالرق، وهو من آثار الكفر، فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر. الثالث: أن الله الا الله، قال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٍ فَأَنْبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178]، ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر. فدل على عدم دخوله في هذا القول. فقال: بل ذلك دليل صحيح، وما اعترضت به لا يلزمني منه شيء. أما قولك: إن الله تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول. وأما دعواك أن المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص غير معروفة فغير صحيح، فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص. وهي حرمة الدم الثابتة على التأييد. فإن الذمي محقون الدم على التأييد والمسلم محقون الدم على التأبيد، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا ما يدل على أن مال

الذمي قد ساوى مال المسلم، وقد دل على مساواته لدمه؛ إذ المال يحرم بحرمة مالكه. وأما قولك: إن الله تعالى ربط آخر الآية بأولها فغير مسلم؛ فإن أول الآية عام وآخرها خاص، وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها، بل يجري كل على حكمه من عموم أو خصوص. وأما قولك: إن الحر لا يقتل بالعبد فلا أسلم، بل يقتل به عندي قصاصا، فتعلقت بدعوى لا تصح لك.

له وأما قولك: فمن عفي أخيه شيء، يعني المسلم، فكذلك أقول. ولكن هذا

من

خصوص في العفو؛ فلا يمنع من عموم ورود القصاص، فإنهما قضيتان متباينتان، فعموم إحداهما لا يمنع من خصوص الأخرى، ولا خصوص هذه يناقض عموم تلك. (انظر ابن العربي: أحكام القرآن المرجع السابق، ج 1، ص 61 - 62).