الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧٨78
القواعد الفقهية الماضية دراسة مقارنة بالمذاهب الفقهية الإسلامية
وثانيهما: إنه تعالى خلق أفعال العباد كلها خيرها وشرها، كفراً وإيماناً، وهذا القسم ينكره القدرية كلهم، والأول لا ينكره إلا غلاتهم، وحكم بشركهم كثيرون قال ابن حجر ومحل الخلاف حيث لم ينكروا العلم القديم وإلا أشركوا كما نص الشافعي، وأحمد وغيرهما، وفي الحديث: «القدرية مجوس هذه الأمة»)، قالوا: وما القدرية؟ قال: «الذين يقولون: لا قدر» (2).
وقد ذكر ابن بطة العكبري كلام الإمام ابن تيمية رحم الله حول هذه القاعدة حيث قال: «النصوص والآثار في تقدم علم الله وكتابه وقضائه وتقديره الأشياء قبل خلقها، وأنواعها كثيرة جداً، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا ينافي وجود الأعمال التي بها تكون السعادة والشقاوة، وأن من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة، وقد نهي أن يتكل الإنسان على القدر السابق ويدع العمل، ولهذا كان من اتكل على القدر السابق وترك ما أُمر به من ما أمر به من الأعمال هو من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وكان تركهم يجب عليهم من العمل من جملة المقدور الذي يسروا به لعمل أهل الشقاوة، فإن أهل السعادة هم الذين يفعلون المأمور ويتركون المحظور، فمن ترك العمل الواجب الذي أُمر به وفعل المحظور متكلاً على القدر كان من جملة أهل الشقاوة الميسرين لعمل أهل الشقاوة. وهذا الجواب الذي أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم في غاية السداد والاستقامة وهو نظير ما أجاب به الحديث الذي رواه الترمذي أنه قيل يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: «هي من
لما
(1) رواه أبو داود برقم (471).
(2) شرح كتاب النيل 159/ 17 وما بعدها.