القواعد الفقهية الإباضية: دراسة مقارنة بالمذاهب الفقهية الإسلامية محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٩٧

المجلد الثالث

397

كل صانع بكراء عليه ضمان ما أتلفه] (1)

هذه القاعدة معروفة عند فقهاء المذاهب بقاعدة: «تضمين الصناع»، أو قاعدة: «تضمين الأجير المشترك».

لم يكن تضمين الأجير المشترك معروفاً في زمن النبوة المبارك وإنما كانت القاعدة فيهم أنهم محسنون والله تعالى يقول: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ من سبيل) [التوبة: 91). لذلك لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم على الأجراء والصناع ضماناً في ما أتلفوه إذا لم يكن عن تقصير متعمد لا سيما إذا ادعوا بأنهم لم يقصدوا الفعل الضار وهم مصدقون وقد شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية من حيث الجملة بقوله: «خير القرون قرني ثم الذي يليه ثم الذي يليه». وقد عرف عنهم

الأمانة والنصح الله ورسوله وظهر فيهم الورع، فهم أبعد الناس عن التهمة. وظل الأمر على هذا المنوال إلى زمن عمر بن الخطاب، ففي عهد عمر له رأى أن يسد الذريعة خوفاً من أن يتخذ الصناع من تصديق الناس لهم وركونهم إلى أمانتهم ذريعة إلى أكل أموال الناس بالباطل، فضرب عليهم الضمان، وقد وافقه الصحابة الكرام على هذا التدبير القضائي الوقائي، فصار ذلك إجماعاً شرعياً يقضي بتضمين الصناع والأجراء، ومن ثُمَّ شرع في الإسلام حفظاً لأموال الناس عن العبث بها وتعريضها للتلف والضياع، وعقدت في كتب الفقه فصول تحت عناوين عدة نحو ضمان المتلفات، وضمان الأجير المشترك وتضمين الصناع، وصار الضمان في الفقه الإسلامي يمثل نظرية فقهية متكاملة أخذ بها الأئمة الفقهاء في جميع المذاهب الفقهية وبنوا على هذه النظرية شطراً عظيماً من مسائل الفروع الجزئية.

الضمان

(1) بيان الشرع 405/ 40 و 472. (2) صحيح مسلم، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، (2533)، 1962/ 4، بلفظ: «خير أمتي القرن الذي يلوني … ».