الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٤٨248
القواعد الفقهية الماضية دراسة مقارنة بالمذاهب الفقهية الإسلامية
وقال ابن دقيق العيد تعليقاً على حديث سعد بن أبي وقاص: «قال رد رسول الله على عثمان بن مظعون تبتله ولا أذن له لاختصينا: «التَّبَتُّلُ» تَرْكُ النِّكَاح: وَمِنْهُ قِيلَ لِمَرْيَمَ عَهَا الْبَتُولُ» وَحَدِيثُ سَعْدٍ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَطْعُونٍ مِمَّنْ قَصَدَ التَّبَتُّلَ وَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ، مِمَّا هُوَ دَاخِل فِي بَابِ التَّنَطُّعِ وَالتَّشَبُّهِ بِالرَّهْبَانِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ: يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِمُسَمَّى «التَّبَتُلِ» وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [المزمل: 8] فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْآيَةِ غَيْرَ الْمَرْدُودِ فِي الْحَدِيثِ لِيَحْصُلَ الْجَمْعُ وَكَأَنَّ ذَلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى مُلَازَمَةِ التَّعَبُدِ أَوْ كَثْرَتِهِ، لِدَلَالَةِ السَّيَاقِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمْرِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، وَتَرْتِيلِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ فَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَةِ الْعِبَادَاتِ وَلَمْ يُقْصَدْ مَعَهَا تَرْكُ النِّكَاحَ وَلَا أَمْرٌ بِهِ بَلْ كَانَ النِّكَاحُ مَوْجُودًا مَعَ هَذَا الْأَمْرِ وَيَكُونُ ذَلِكَ «التَّبَتُّلُ» الْمَرْدُودُ: مَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ - مِنْ الْغُلُو فِي الدِّينِ، وَتَجَنُّبِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يَدْخُلُ فِي بَابِ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ بِالْإِجْحَافِ بِهَا وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا: مَنْعُ مَا هُوَ دَاخِل فِي هَذَا الْبَابِ وَشَبَهِهِ، مِمَّا قَدْ يَفْعَلُهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَزَهْدِينَ»).
وقال ابن حجر في الفتح في حديث الثلاثة الذين سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عبادته فكأنهم استقالوها: «وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى الْفِرَاشِ فَجَاءَ إِلَيْهِمْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأتقاكم الله وأخشاكم له وإني أتزوج النساء وأصوم وأفطر، وأنام وأرقد فمن رغب عن سنتي فليس مني. قال وفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَبِّ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ لِأَنَّ الْمُشَدِّدَ لَا يَأْمَنُ مِنَ الْمَلَلِ بِخِلَافِ الْمُقْتَصِدِ فَإِنَّهُ أَمْكَنُ لِاِسْتِمْرَارِهِ وَخَيْرُ الْعَمَلِ مَا دَاوَمَ
(1) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 169/ 2 مطبعة السنة المحمدية، من دون طبعة.