القواعد الفقهية الإباضية: دراسة مقارنة بالمذاهب الفقهية الإسلامية محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٣٧

المجلد الخامس

137

وقبل إيراد المذاهب لا بد من بيان المراد بعلم القاضي.

المراد بعلم القاضي ظنه المؤكد الذي يجوز له الشهادة مستنداً إليه لا خلاف بين فقهاء المذاهب في أن القاضي لا يقضي بعلمه في الحدود الخالصة لله تعالى، كالزنى وشرب الخمر؛ لأن الحدود يحتاط في درئها. وليس من الاحتياط الاكتفاء بعلم القاضي؛ ولأن الحدود لا تثبت إلا بالاقرار أو البينة المنطوق بها. وأنه وإن وجد في علم القاضي معنى البينة، فقد فاتت صورتها، وهو النطق وفوات الصورة يورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات (2). وأما قضاء القاضي بعلمه في حقوق الآدميين فمحل خلاف بين الفقهاء. فمذهب المالكية، وغير الأظهر عند الشافعية وظاهر مذهب الحنابلة، أن القاضي لا يحكم بعلمه في حقوق الآدميين، وسواء في ذلك علمه قبل الولاية وبعدها. وهذا قول شريح، والشعبي، وإسحاق، وأبي عبيد، مستدلين بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع» (3).

فدل الحديث على أنه إنما يقضي بما يسمع لا بما يعلم، ودل على أنه يعتمد في الحكم على البينة والحجة؛ لذلك قال ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فالمعول عليه الحجة والبيئة.

وقوله صلى الله عليه وسلم في قضية الحضرمي والكندي: «شاهداك أو يمينه ليس لك إلا

ذاك» (4).

(1) نهاية المحتاج 247/ 8 ط الإسلامية.

(2) البدائع 7/ 7، وتبصرة الحكام 167/ 1 ط الحلبي، ونهاية المحتاج 246/ 8، والمغني

400/ 11 ط المنار.

(3) رواه الشيخان ومالك في الوطأ (الفتح الكبير 436/ 1).

(4) رواه الشيخان وأصحاب السنن (نصب الراية 95/ 4).