القواعد الفقهية الإباضية: دراسة مقارنة بالمذاهب الفقهية الإسلامية محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٣٨

138

القواعد الفقهية الماضية دراسة مقارنة بالمذاهب الفقهية الإسلامية

وبما روي عن عمر له أنه تداعى عنده، رجلان فقال له أحدهما: أنت شاهدي، فقال: إن شئتما ولم أحكم، أو أحكم ولا أشهد (1). وذهب الشافعية في الأظهر، وأحمد في رواية، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد، إلى أنه يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه سواء في ذلك علمه قبل ولاية القضاء أم بعدها. لكن الشافعية قيدوا ذلك بما إذا كان القاضي مجتهداً وجوباً، ظاهر التقوى والورع، واشترطوا لنفاذ حكمه أن يصرح بمستنده، فيقول: علمت أن له ما ادعاه وقضيت أو حكمت عليك بعلمي، فإن ترك

أحد اللفظين لم ينفذ حكمه.

واستدل هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى لهند لما شكت بُخْل زوجها أبي

سفيان من غير بينة ولا اقرار.

قلت: لم يقم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة مقام القاضي، بل قام مقام المفتي؛ لأن هنداً استفتته في أخذ شيء من ماله سراً، فأفتاها بالجواز، وهذه فتوى وتكون على مقدار النص والفتوى أسهل من القضاء.

قالوا وإذا جاز للقاضي أن يقضي بالبينة فيجوز القضاء بعلمه بطريق الأولى؛ لأن المقصود من البينة ليس عينها بل حصول العلم بحكم الحادثة، وعلمه الحاصل بالمعاينة أقوى من علمه الحاصل بالشهادة؛ لأن العلم الحاصل بالشهادة علم غالب الرأي، وأكبر الظن، والحاصل بالحس والمشاهدة على القطع واليقين، فهو أقوى، فكان القضاء به أولى. ومذهب أبي حنيفة أنه يجوز للقاضي في حقوق الآدميين أن يقضي بعلمه الذي استفاده في زمن القضاء وفي مكانه، ولا يجوز له القضاء بعلمه الذي استفاده في غير زمن القضاء وفي غير مكانه، وهو مذهب بعض فقهاء الإباضية).

(1) المغني 55/ 9، والمحلى 427/ 9. (2) التاج المنظوم 217/ 7.