الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٩٨298
حكم مرتكب الكبيرة:
القواعد الفقهية الماضية دراسة مقارنة بالمذاهب الفقهية الإسلامية
اختلف المسلمون في حكم مرتكب الكبيرة، فذهبت الخوارج إلى تکفيره تكفير، ملة، وذهبت المرجئة إلى القول: لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ينفع مع الكفر طاعة، وذهبت المعتزلة إلى القول بالمنزلة بين المنزلتين.
وذهب أهل الحديث وأصحاب المذاهب الأربعة إلى أن مرتكب الكبيرة فهو وإن صح إطلاق اسم الكفر عليه فهو كفر عملي لا يخرج من الملة بالكلية، قال ابن تيمية: قال غير واحد من السلف: كفر دون كفر، وشرك دون شرك، ونفاق دون نفاق، وقد نسب هذا إلى ابن عباس.
وذهبت الإباضيَّة إلى أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة لا كفر ملة، فصار مذهبهم قريباً من مذهب الجمهور، فهم موافقون لمذهب الجمهور بأن الكبيرة في الدنيا توجب كفرهم كفراً عملياً أو كفر نعمة، لكنهم اختلفوا في ما إذا مات من غير توبة، فالإباضية يقولون هو في النار، ومذهب الجمهور أن الله فيه المشيئة إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه.
وهنا يلاحظ أن الإباضية مخالفون لمذهب الخوارج لا كما يظن الكثير بأن الإباضية من الخوارج، بل هناك خلاف كبير بين الإباضية وبين طوائف الخوارج كالأزارقة أو العجارة وبقية الطوائف التي عرفت في كتب المقالات بفرق الخوارج الذين أنزلوا المسلمين منزلة الكفار المشركين وأحلوا دماءهم وأموالهم، بينما ذهبت الإباضيَّة إلى أن مخالفيهم كفار نعمة لا ينقل عن الملة وحرموا دماء مخالفيهم وأموالهم، وصححوا أنكحتهم، وأباحوا نكاح نساء المخالفين، وقبلوا شهادتهم وانتقدوا فرق الخوارج كالأزارقة ونحوهم انتقاداً شديداً، لذلك لا يجوز الخلط بين الخوارج وبين هؤلاء السادة المعروفين بالعدل والاستقامة والتسامح مع المخالفين لهم.