الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٤٠٢402
القواعد الفقهية الماضية دراسة مقارنة بالمذاهب الفقهية الإسلامية
فروع القاعدة
صفة اليد في القرآن الكريم:
وردت في القرآن الكريم ضمن سياقات محددة ومقامات متعددة، وهي في كل سياق لها دلالة تختلف عن السياق الآخر، فإذا فسرناها ضمن سياقها اتضح مدلولها، وإن عزلناها عن سياقها لم يتضح مدلولها، بل أبعدناها عن مدلولها. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا الُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64]. فقد أوّل الحافظ ابن كثير اليد ضمن السياق فيقول المراد بقولهم: يدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، هو وصفهم لله بالبخل بدلالة سياق الآية وهو قوله: {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) وهو ما روي عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد والسدي).
لكنَّ مَنْ قَطَعَ اللفظة عن سياقها فقد اضطرب في تأويلها فتارة يقول: اليد هي القدرة وتارة يقول: هي النعمة، وبعضهم يقول: هي الجارحة بمعنى يليق بالله فغالط الحس والعقل معاً، ومنهم من رد المعنى إلى الله بعد أن آمن بالصفة، وهذا ليس داخلاً في القاعدة؛ لأن القاعدة تتحدث عن تفسير المفردات ضمن السياق أو بعيداً عنه.
وقال الطبري: يعنون أن خَيْرَ اللهِ مُمْسَكٌ، وعطاءه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الاسراء: 29] فإنما وصف الله اليد والمراد به العطاء؛ لأن العطاء والانفاق يكون باليد، كما قال الأعشى:
يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ، فَكَفٌ مُفِيدَةٌ وَكَتْ إِذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ (2)
(1) تفسير ابن كثير 146/ 3.
(2) تفسير الطبري 450/ 10.