الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٤٤٩المجلد السادس
449
واحد والثاني مأجور لاجتهاده. وهكذا يقال في جميع مسائل الخلاف كالجهر بالبسملة وكقراءة سورة الفاتحة، وكذلك في مسائل الخلاف في المعاملات.
الاجتهاد في الأمور العقلية
والمراد بها خلافهم في العقائد التي يطلب فيها الدليل القطعي، فالجمهور أن المصيب فيها واحد وهو من صادف الحق فيها لتعينه في الواقع وثبوت صفات الباري وبعثة الرسل، وذهب الجاحظ العنبري إلى جواز الاجتهاد فيها وأنه لا يأثم، وكلامهما مردود.
والتحقيق أن يقال إن مسائل الاعتقاد على ضربين
الأول: ما ثبت بالدليل القاطع والدلالة القاطعة كبعثة الرسل، والصلاة، والصيام والحج ونحوها وكذلك ما اختلف فيه المسلمون مع أهل الكتاب والمجوس، ففي هذه المسائل يقطع أن الحق فيها واحد وهو ما ذهب إليه
أهل الإسلام. الثاني: فروع العقيدة؛ كمسألة الرؤية، ومسألة قدم كلام الرب، فمثل هذه المسائل وإن كان الدليل فيها قاطعاً فإن الدلالة فيها محتملة إذ كل فريق ذهب إلى إثبات مذهبه بالقرآن فمن أثبت رؤية الله احتج بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ (القيامة: 22، 23]، ومن نفي احتج بقوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ) [الأنعام: 103]، وكلا الدليلين قطعي الثبوت ظني الدلالة لاحتمال التأويل، فإن كل فريق يستطيع دليل الفريق الآخر. وهذا يقال في فروع العقيدة، وهذا أحسن من تفسيق المسلمين لبعضهم بعضاً، فإن في المذهب الواحد قولين في مثل هذه المسائل، ويكفي تمثلاً اختلاف الإباضية أنفسهم في قِدَم كلام الرب وهل القرآن حادث أو مخلوق، فمثل هذه المسائل ليست من أصول العقيدة بل من فروعها لأن الأصل أن تُثبت صفة الكلام للرب، وأما صفة هذا الكلام وهل هو قديم