القواعد الفقهية الإباضية: دراسة مقارنة بالمذاهب الفقهية الإسلامية محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٩١

المجلد الأول

391

وقال أبو حيان: «ودلت الآية على أن المن والأذى مبطلان للصدقة، ومعنى إبطالهما أنه لا ثواب فيهما عند الله، والسدي يعتقد أن السيئات لا تبطل الحسنات، وقال جمهور العلماء: الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمن فيها ويؤذي لا تقبل، وقيل: جعل الله للمتن عليها أمارة فهو لا يكتبها إذ نيته لم تكن لوجه الله. قال: ومعنى قوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَتِكُم بِالْمَنْ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264) أي: لا تأتوا بهذا العمل باطلاً، لأنه إذا قصد به غير وجه الله فقد أتى به على جهة البطلان. وقال القاضي عبد الجبار معلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدمت فلا: تبطل، فالمراد إذاً إبطال أجرها (1).

يصح

أن

دل كلام أهل العلم على أن المعصية تبطل الطاعة التي اجتمعت مع المعصية، والشرك من باب أولى أن يبطل العمل كله لقوله تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ ليَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65].

قال ابن جرير الطبري: لئن أشركت شيئاً يا محمد ليبطلن عملك فاحذر أن تشرك بالله وتهلك»، فهذا الكلام لنبي الله وهو أكرم الناس عليه وأعزهم)، فكيف بحال من هو دونه في الرتبة بمراحل؟!

قلت: والإجماع منعقد على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أشرك قط وهو معصوم منه، ولكن هذا خرج مخرج التنبيه للأمة، لأن الشرك منها متصور وفيه من التهديد والتخويف ما لا يخفى (3)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَينِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِي وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]، وكقوله تعالى: {وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا

(1) البحر المحيط 662/ 2. (2) تفسير الطبري 243/ 20. (3) تفسير الزمخشري 106/ 1.