الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٣المجلد الثاني
53
وهذا الأثر معناه صحيح، وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم التورية يوم الهجرة لما سأله أعرابي: من أين أنت؟ فقال: «من ماء»، قال: من ماء نجد أو ماء العراق؟، قال: «من ماء»، وقصد أنه من ماء دافق قد خُلِق.
ولما سئل أبو بكر يوم الهجرة عن رسول الله قال: هادٍ يهديني السبيل. وهذه تورية لها معنيان قريب متبادر وبعيد وهو المقصود.
معني
القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن استعمال التورية حيث يجوز الكذب أولى من الكذب، أما حيث لا يجوز الكذب وحيث لا ضرورة تدعو إلى ارتكاب التورية فلا يجوز التورية، لأنها نوع من التلبيس في موضع لا حاجة إليها. والمسائل التي يجوز فيها الكذب هي الكذب من أجل إصلاح ذات
ذلك
البين والكذب على الزوجات من أجل إصلاحهن، وعلى العدو، ومع فالتورية في هذه المسائل أفضل من الكذب لاندفاع الضرر قدر الإمكان ولارتكاب أهون الشرين وأخف الضررين.
أقوال العلماء في القاعدة:
تعرض قطب المغرب من الإباضية الشيخ أطفيش رحم الله لمسألة جواز الكذب بين أخوين تشاجرا، أو بين زوجين على صلح بينهما، أو في حرب مباحة، قال: وإن يكون ذلك بمعرضة، فأحسن بل قيل: لا يجوز بلا معرضة لقبح الكذب شرعاً، فلا يجوز فيه لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن لكم في المعاريض لمندوحة الكذب». وعن عمر بن الخطاب: «إن في المعاريض لمندوحة أن يعف الرجل عن الكذب». وعنه: لم يكذب من قال خيراً أو أصلح بين اثنين».
عن
(1) مصنف ابن أبي شيبة، باب ما مضى فيه من الكذب، (25564)، 327/ 5.