كتاب التهذيب في الفصاحة والألفاظ (الباب الرابع: في علوم القرآن) محمد بن عامر بن راشد المعولي أبو سليمان، المشهور بـ "ابن عريق"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٨١

القسم الثاني: تحقيق النص

181

وآصف وجد اسم الله الأعظم والهدهد وجد رئاسة الطير، وبلقيس وجدت

الإيمان.

فصل

فإن قيل: ما العلة في قول سليمان بن داود قدم اسمه في كتابه البلقيس على اسم ربه، فقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ فقيل: فيه ثلاثة أشياء: أحدها: أنه لو أتى بلقيس هوان ومذلة أتى على اسمه، لا على اسم ربه والثاني: أنه قدم اسمه على اسم ربه لأنه لم تعرف الرب

الأول: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لأَطُوفَنُ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْع وَتِسْعِينَ كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ» فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان﴾ رواه البخاري برقم 2608، وبلفظ قريب منه مسلم برقم 3124 وغيرهما. الثاني: قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان بسبب مرض شديد ألقاه الله عليه، ﴿وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ﴾ منه ﴿جَسَداً﴾ وذلك لشدة المرض والعرب تقول في الضعيف: إنه لحم على وضم وجسم بلا روح، {ثُمَّ أَنَابَ أي رجع إلى حال الصحة. الثالث: ابتلاه الله تعالى بتلسيط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه، وصار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكر، ثم إنه أزال الله عنه ذلك الخوف، وأعاد إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب.

أما قوله تعالى {قَالَ رَبِّ اغفر لي وذلك أن الإنسان لا ينفك ألبتة عن ترك الأفضل والأولى، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولأنهم أبداً في مقام هضم! النفس، وإظهار الذلة والخضوع وأن الاستغفار ملازم لحالهم، لا ينفكون عنه أبداً، ولو بغير ذنب؛ لأنهم في مقام العصمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ولا يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى، والله أعلم.

يراجع مزيد بسط للقصة كلاً من: الفخر الرازي، التفسير الكبير، مج 13، ج 180/ 26 - 186، وابن كثير، التفسير، ج 33/ 4 - 36، وأبي حيان البحر المحيط، ج 526/ 7 ـ 528.