الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٧٣القسم الثاني: تحقيق النص
473
وعلى ذلك يحمل قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ) [المائدة: 69] رفع الصَّابِئُونَ) على الابتداء أو الخبر، ولم يعطف على
ما قبله.
وكذلك يُقرأ {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ إِلَى آخر الآية [المائدة: 45] (1).
فأما قول الله تعالى إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه: 63] فقد ذكر ابن عباس به أنه قال: إن الله تعالى أنزل القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب"، فنزلت هذه الآية بلغة بني الحارث بن كعب؛ لأنهم يجعلون المثنى بالألف في كل وجه فيقولون: رأيت الرجلان ومررت بالرجلان؛ لأن الألف أخف بيان المد واللين، وقد تكون إِنْ) بمعنى نعم في بعض لغات العرب، وقال
(1) تمام الآية (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنْ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنُ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)، قرأ الكسائي بالرفع في الخمسة، فالواو عاطفة جملاً اسمية على (أن) وما في حيزها باعتبار المعنى فالمحل مرفوع، كأنه قيل: كتبنا عليهم النفس بالنفس والعين بالعين .. الخ، فإن الكتابة والقراءة يقعان على الجمل كالقول، وقال الزجاج: عطف على الضمير في الخبر، يعني (بالنفس) وحينئذ يكون الجار والمجرور حالاً مبينة للمعنى، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر بالنصب فيما عدا (الجروح) فإنهم يرفعونها قطعاً لها عما قبلها مبتدأ وخبره (قصاص) وافقهم ابن محيصن واليزيدي والشنبوذي، وقرأ الباقون بنصب الكل عطفاً على اسم (أن) لفظاً، والجار بعده خبر، و (قصاص) وهو من عطف الجمل عطف الاسم على الاسم والخبر على الخبر، نحو: إن زيداً قائم وعمراً قاعد (البنا، إتحاف: ج 536/ 1).
(2) أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يطوف بالبيت بعدما ذهب بصره، وسمع قوما يذكرون المجامعة والملامسة والرفث ولا يدرون معناه واحد أم شتي؟ فقال: «الله أنزل القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب فما كان منه لا يستحي الناس من ذكره فقد عناه، وما كان منه يستحي الناس فقد كناه، والعرب يعرفون معناه؛ لأن المجامعة والملامسة والرفث ووضع أصبعيه في أذنيه ثم قال: ألا هو النيك السيوطي، الدر المنثور: ج 30/ 2).