الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣ألم تعلموا أن الله ما سلط عليكم أشراركم، إلا من بعد أن أقبلتم
على الدنيا فنسيتم الآخرة، ونبذتم خياركم وراء ظهوركم، وملتم إلى من رأيتم الدنيا مقبلة عليه، طمعاً في الذي بين يديه، وضيعتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم تبالوا بترك اللوازم، ولا بانتهاك المحارم، وسودتم من الأمانة له ولا خير فيه.
فعندها ظهر الجور فكثر العناد، وخفي العدل فعظم الفساد، حتى فشا في البلاد، فالطرق تقطع، والرجال تضرب فتقتل، والأموال تنهب فتؤكل عقوبة من الله، عاجلة، ومن ورائها أخرى أجلة، هي أشد منها وأبقى، أو ليس هذا بالحق أم هي إلا دعوى كاذبة، لعدم مطابقتها للصدق، وقراؤكم كفرة وأمراؤكم جورة، وعوامكم أكثرهم فجرة، فأين أهل التقى ما لي لا أراهم فيكم إلا أن يكونوا في قلة، على ما هم به وعليه من ذلة، لعدم أنصارهم، وتباعد ما بين ديارهم، أو لغيره من أعذارهم، إن أحق ما بكم أن يقال فيكم ما قد قيل:
لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي وكيف لا كذلك وآذانكم لا تصغي لنصيحة كأنها لا تسمع، وأعينكم لشدة ما بكم من قسوة لا تدمع، وقلوبكم لما بها من ظلمة أقسى من الحجر الأصم فلا تخشع، وأفئدتكم هواء فالموعظة فيها لا تنجع، تبأ لكم ما أقبح أعمالكم، وأسوأ أحوالكم، ولا عهد ولا ورع، فلا أمانة ولا وعد، رضيتم من الله بالأدنى فأعرضتم عما يقربكم إلى الله زلفى، ونأيتم عما دعاكم له من التقى، وقد أخبركم أن الآخرة خير وأبقى كم قد أمركم بالذي يرضاه لكم، فيقربكم منه فلم تأتمروا، ونهاكم عما يكرهه إليكم ويبعدكم عنه فلم
263