الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤تنز جروا، فتارة يحذركم من نفسه، ويتوعدكم بعقابه إن عصيتموه فلم تحذروا، وتارة يعدكم ثوابه إن أطعتموه فلم تشكروا، وهو الذي خلقكم وصوركم، فأحسن من فضله صوركم، وجعل لكم السمع والبصر والأفئدة
فلم تتفكروا، وأسبغ عليكم نعمه الظاهرة والباطنة، فلم تتذكروا وناداكم: أن هلموا إلي لما لكم به من فائدة لحظ وافر فأبيتم إلا أن تنفروا، وهداكم النجدين فلم تبصروا، وعجل لكم من نقمه ما به يعظكم فلم تعتبروا، إن أولى ما بكم أن يصلي عليكم من قد عرفكم من صالحي زمانكم أربع تكبيرات، صلاة الموتى، فيقول في دعائه: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا للقوم الظَّالِمِينَ﴾ (1) فإنهم قد أصروا فلا يتوبون من ذنوبهم ولا هم يذكرون، صم بكم عمي فهم لا يبصرون، وأن يقبل عليه بعد الفراغ فيعزيه من قد حضره أو يعزي نفسه من ناصري دين الله فإنهم قد صاروا في بطن الثرى، وبقي من لا دين له فالناس كما ترى، ليس فيهم إلا من تخلى من الورع، فتحلى بدل الطمع، وتلبس بالمكر والخدع، فلا يفرق بين الحلال والحرام، ولا يبالي بمعونة أهل الجور على ما هم به من الضلال يميل إلى أهوائهم، إن دعوه فأجابهم في الحال، فأطاعهم فيما يأمرونهم به من الظلم، غير ناظر لما فيه من الإثم، قد أسكره حب الدنيا أن أطمعوه بشيء من المال، نسي ما له من عاقبته في المآل.
ما أجرأه على الله قد فتح فاه، واتبع هواه فأهمل أخراه، فلا باليسير يقنع وإن كفاه، ولا بالكثير يشبع من دنياه، يصبح ويمسي في عماه، إلا قليلاً منهم في أهل مواضع متفرقة، لا يقدرون على إقامة حق في الورى، ولا دفع باطل جرى من هؤلاء الأمراء، أو من يكون من
(1) سورة هود: 44
•
264