الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٤٦الذكر الثاني والعشرون:
في المواعظ والزجر والتوبيخ، وصفة ابتداء الزهد
قال صاحب ذي الغبراء: كان لي أخ فسرت إلى زيارته فلما رآني نهض مسرعا وبالطعام مكرما، فقال لي: لعلنا نسير مع أخينا الذي هو أكبر سناً وعقلا، وأفصح لساناً، والساعة في مجلسه قائما يذكر الناس وعظاً وأديانا وزهداً، قلت له: نخاف إن سألناه يردنا ويفضحنا، أو يقول لنا تلويحا كما قال الشاعر:
لا ينفع الوعظ قلباً قاسياً أبدا والحبل في الحجر القاسي له أثر إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة كالأرض إن سبخت لم يحيها المطر فقال ذو الغبراء: زيارة الأخوان إذا وجد الإنسان الإمكان فيها إعانة لأداء الفرائض في أوقات الزمان، وصلاح النفوس والأبدان،
وحاشاهم عن أقوال الزور والبهتان، ولهم مخافة من ربهم المنان. قال: فقصدنا إليه ورأيناه جالساً والناس من حواليه، فسلمنا عليه، فرد جوابنا وهو قاعد على ركبتيه، ثم قال: لا يدخل قلبكما جفاء، فإنا لا نقوم من مجلسنا إلا لعلمائنا ووالدينا، وكيف الحاجة التي دعتكما إلى وصولكم إلينا؟.
قلنا له: إرادتنا أن نشفي أجسامنا بحلاوة (1) الذكر، قال: سمعت
بأن ملكاً ينادي كل يوم بالمشرق ليت الخلق لم يخلقوا، فيجيبه ملك
(1) في الأصل: من حلاوة.
446