الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٧للشغل والأمارة فهلك والدهم وآل نظرهم أن لا يعطوه ميراثاً من أبيه فقال لهم: أريد منكم كما كنت سابقاً في الخدمة والأمارة فرضوا بقوله وهم لبسوا الثياب الفاخرة والأسلحة المصبوغة وما تلقاهم إلا مثل البدور إن حضروا في مجالس الأكابر، تراهم مثل الأمراء تسير بهم الأوصاف بالأخلاق الحسان ولكنهم للحرب جبان وأخوهم له كسوة قديمة يسخر منه كل من يراه ويستحقره (1) كل من لاقاه، وإخوته ليس لهم حاجة به يظن الناس فيهم حمالة ولا يدرون بقلوبهم جبن، وأما مسكين فإن رآه أصحابه في البلد قالوا فيه خنوثة أو أنوثة وإن رأوه في الهيجاء مع الازدحام والحطام قالوا هذا الأسد الضر غام فعلم الملك بشجاعته وقوته فأراد أن يقربه ويؤازره فأبى وبعد عنه فقال له اخلف لباسك وسيرتك ولا تكن كالتهماء في البلد، ورد عن نفسك الوهنة فالحر لا يرضى بالذلة وأنا مقبل معك ولاحت لك الأمور فكن على نفسك غيوراً.
فقال مسكين: اسمع أيها الملك أنا جعلت لقتال الأعداء وأغض الطرف عن الأصحاب رحمة لهم وإهانة لعدوهم، فقال له الملك: بارك الله فيك اصنع ما شئت فولى عنه ولا تبدّل عن سيرته الأولى، ثم وصل إلى الملك أناس زوار من أهل بأس ورفعة، فسره وصولهم وقربهم وكرمهم أحسن ما كان وجعل لهم برزة وزورة ليضربوها فحضر معهم من اختصه لهم وأمرهم بضرب الزورة لطلب الزهوة فضربوها الخاطر والماهل من الصباح إلى الرواح وأخطأ الكل ولم يصبها أحد منهم، فنظر الملك مسكيناً مستطرقا إلى الفلاة لإراقة البول وفي يده إبريقا فيه ماء للطهارة وليس عليه سلاح ولا في حقويه حزاق فدعا به الملك فجاء عنده وحياه بتحية
(1) في الأصل: ويستحضره