الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١١٧يصلحونها بالأمان والبنيان وحفر الآبار والنهار وغرس النخيل والأشجار وإصلاح المتخاصمين وبناء المساجد والحصون العالية الفاخرة وإصلاح الطرق والماء لها للمارين بالبرك والآبار وإحسان الصنائع واللباس الحسن والكرم للضيف وابن السبيل وحب المدح والشعر والنساء بالنكاح الحلال ونسل الأولاد واجتهدوا في قول الله تعالى: (المَالُ وَالبَنُونَ زِينة الحَيَاةِ الدُّنْيَا) (1).
وأما أبناء الآخرة فاجتهادهم في الدين والتعليم وحرثهم في الدنيا بقدر ما يسد خلتهم ويستروا عورتهم في لباسهم وبيوتهم ومأكلهم وشربهم ونكاحهم بقدر لا فيه فخر، وعلماؤهم يتلون القرآن ومطالعة الآثار، وليس لهم همة إلا في التصنيف والتأليف، فانظر أيها الواقف فيما قلناه فالحالة الأولى هي الموجودة في أكثر الزمان والأعمال بالتقية، وإن وجدت في زمانك أبناء الدنيا فاشكر مولاك، فإنك تجد مما يوافقك لإصلاح دينك ودنياك. وأما المنزلة الثالثة فإنها لا توجد إلا في بعض العصور من القرون مع الأئمة الخلفاء للأمة، والبايعون لهم هم المجاهدون في سبيل الله، القاتلون أعداء الله، المقتدون بسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، البايعون نفوسهم يريدون به رحمة ربهم وشفاعة نبيهم فطوبى لاجتماعهم والويل لمن خالفهم.
وهاك قصة جامعة لخصال ما قدمناه، وقد حكي لنا عن رجل من المسلمين قل ما في يده وخرج من داره بنفسه يتنظر لصلاح حاله ودينه فدخل داراً تجري بها الأنهار مخضرة بالأشجار فسأل عن أميرها فقيل له إنك تجده في مقامه قرب بيته يخدم ضيفه وإنك لتعرفه دون غيره، ومن
(1) سورة الكهف: 46.
117