الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٨من مضى من النبيين، حتى في حق سيد المرسلين، لم تكن الملائكة تأتيه في كل حين، فيما أخبر عنهم إله العالمين في كتابه المبين، بل ينزلهم إليه في شدة البأس مع قرب الإياس من الصحب، وما النصر إلا من عند الله المبين.
وفي نفسي أن هذا كان منه في الابتداء على سبيل الرياضة فأسرعت إليه الشياطين فهي تأتيه بالباطل، وتمنيه بالغرور لتقويه فيزعم بما يبديه فيما يدعيه بما إليه تلقيه أن الله يمده بالنصر على ما ادعاه بسبعين ألفاً من الملائكة مسومين، ولا يمده بأحد ممن خلق من الماء والطين، وقد أيد الله الرسول الأعظم المصطفى الأمين (صلى الله عليه وسلم) بالنصر تكريماً له وتعظيماً بخمسة آلاف من الملائكة مسومين في الشدة لا في كل حين كرامة خص بها دون سائر النبيين، وهو مع ذلك لم يكتف بذلك عن الإعانة من البشر في دفع كل ضرر، بل استعان بالأعوان والأصحاب، والإخوان، والحرب والطعن والضرب، وتخندق البلاد، والتشمير للقتال لمن يرجوه منه من العناد، وفر عن أسى من داره إلى من يؤمله أن يكون من أنصاره، فكان هذا أعظم كرامة، فهو أعلا وأجل منه درجة، و إنا لله وإنا إليه راجعون).
فهو وأتباعه لا شك إن ماتوا على ذلك أنهم هالكون، وقد زين الشيطان له فاضله وأضل من اتبعه فأضله ضلالاً كبيرا، إن الشياطين لا
تأمر فيما توحي به بالعدل والإحسان والطاعة للرحمن، وإنما تأمر وتوحي بما أخبر المولى عنهم في كتابه بقوله: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا} (1)، وتأمر بالفحشاء والمنكر وما كان
(1) سورة الأنعام: 112.