الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٩الذكر الخامس والأربعون:
في التجارة، وفيه قصتان
قال ذو الغبراء: سألت صاحبي عن حرفة بني آدم ما أحسن منها لطلب الرزق؟ قال: من كان معه الماء فهو الأصل الأول الذي لا يشاركه مشارك ولا يحتاج فيه إلى معاناة ولا معونة وهو كالذهب الخالص. قلت له والنخيل والزرايع (1)؟ قال: إذا لم يكن لها ماء فعلتها لصاحب الماء للمقعد (2)، وأما إذا كان لها ماء فتحتاج إلى معاناة ومشاركة كالبيادير (3) ويطمع بها الصديق وتأكل منها الطير والدواب والسباع ويحل بها العطاب في بعض الزمان فهذه عللها. قلت: له والمواشي؟ قال: هي شقاء للنفوس فتارة تنمو (4) ويفرح بها صاحبها وتارة تذهب وتأكلها السباع واللصوص وهي عيد للخصيم يصبح صاحبها وكمن ليس لديه شيء منها.
قلت له والتجارة؟ قال: هي أضعف مما ذكرته لك مما ترى المبتلى بها من المحن في البر والبحر والحر والبرد والهلاك والخوف، إذ هذا لا بد أن يصيبه في سفره وإلا فالأكثر مطلوبون إلى القتل أما ترى الوقوف أحسن عن التجارة. فإن قلت: لولا التجار ساعون ما الخلق فاعلون، فقلنا لك صحيح لكن ينبغي للتاجر أن يتعلم فنون التجارة مخافة عليه من الخدائع والمكر من الخلق والسلامة في ذلك أن لا يبيع شيئا إلا يداً بيد
(1) أي: المزروعات
•
(2) أي: الاستئجار
(3) أي: الفلاحين، وهم الذين يعملون بالأجرة عادة
(4) في الأصل: تنمي.
209