الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٦٠تطبيقات القواعد الفقهية
358
للمسجد أو للسبيل أو لغير ذلك من الكذب وما جرى هذا المجرى مما هو مثله، ومهما ابتليتم به من الجبابرة في الذي تخافون منه أن تَتَّقُوْهُم بالقول، ولا تجوز التقية بالفعل، ولكن لكم أن تعرضوا بالكلام الذي يسعكم القول به ولو لم تتقوهم لقول عمر بن الخطاب رحمه الله: لكم في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب، والمندوحة
السعة.
وقال ابن عباس: ما أحب بمعاريض الكلام حمر النعم وحمر النعم هي الغرار من الإبل، وهي أفضل ما يكون منها، وهذه لفظة تقولها العرب في شيء تجله وتعظمه، وقد جاء التعريض في القرآن، قال الله حكاية عن موسى إذ قال: (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقنِي مِنْ أَمرى عُسْرًا) (الكهف: 73).
فعن ابن عباس قال: لم ينس ولكنه من معاريض الكلام أراد ابن عباس أنه لم يقل: إني نسيت فيكون كاذبا ولكنه قال لا تؤاخذني بما نسيت فأوهمه النسيان تعريضا ولم ينس ولم يكذب، ومنه قول إبراهيم: (إنّى سَقِيمٌ) (الصافات: 89) أي سأسقم، لأن من كتب عليه الموت لابد أن يسقم، ومثله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مِّيِّتُونَ (الزمر:30) أي سيموتون وستموت، فأوهم القوم بمعاريض الكلام أنه عليل وإن لم يكن عليلا ولا كاذباً، وكذلك قوله حين خاف على امرأته "إنها أختى" لأن بني آدم جميعا يرجعون إلى أبوين فهم أخوة؛ لأن المؤمنين إخوة، وكذلك قوله تعالى: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْتَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) (الأنبياء: 63) أراد فعله الكبير إن كانوا ينطقون،