تطبيقات القواعد الفقهية زهران بن ناصر بن سالم البراشدي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤١٢

تطبيقات القواعد الفقهية

21.

وَالْقِسْمِ الثَّانِي: مَشَاقَ يَنْفَثُ عَنْهَا التَّكْلِيفُ غَالِبًا، فَمَا لَا يُطَاقُ مِنْهَا اقْتَضَى التَّخْفِيفَ بِالْإِسْقَاطِ أَوْ غَيْرِهِ اتِّفَافًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ عَظِيمَةً فَادِحَةً كَالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ، أَوْ الْأَعْضَاءِ، فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلتَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّ حِفْظ النُّفُوسِ؛ وَالْأَطْرَافِ لِإِقَامَةِ مَصَالِحِ الدِّينِ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيضِهَا لِلْفَوَاتِ فِي عِبَادَةٍ أَوْ عِبَادَاتٍ يَفُوتُ بِهَا أَمْثَالُهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمَشَقَّةُ خَفِيفَةً كَأَدْنَى وَجَعٍ فِي أَصْبُعِ، أَوْ سُوءٍ مِزَاجٍ خَفِيفِ، فَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ، وَلَا يَتَرَخَّصُ بِهِ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ مَصَالِحِ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ مِثْلِ هَذِهِ الْمُفْسَدَةِ الَّتِي لَا أَثَرَ لَهَا، وَالْمَشَقَّةُ الْمُتَوَسِطَةُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الدَّرَجَتَيْنِ مَا دَنَا مِنْهَا مِنْ الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا أَوْجَبَ التَّخْفِيفَ، أَوْ مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يُوجِبْهُ، كَحُمَّى خَفِيفَةٍ، وَمَا تَرَدَّدَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مِمَّا يُخْتَلَفُ فِيهِ غَالِبًا، وَلَا صَبْطَ لِهَذِهِ الْمَرَاتِبِ إِلَّا بِالتَّقْرِيبِ.

قَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَتَخْتَلِفُ الْمَشَاقُ بِاخْتِلَافِ الْعِبَادَاتِ فِي اهْتِمَامِ الشَّرْع، فَمَا اشْتَدَّ اهْتِمَامُهُ بِهِ شَرَطَ فِي تَخْفِيفِهِ الْمَشَاقَّ الشَّدِيدَةَ أَوْ الْعَامَّةَ، وَمَا لَمْ يَهْتَمَّ بِهِ خَفَّفَهُ بِالْمَشَاقِ الْخَفِيفَةِ، وَقَدْ تُخَفَّفُ مَشَاقُهُ مَعَ شَرَفِهِ وَعُلُو مَرْتَبَتِهِ لِتَكَرُّرِ مَشَاقِهِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى الْمَشَاقِ الْعَامَّةِ الْكَثِيرَةِ الْوُقُوع. وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ الْقَاعِدَةُ الْفِقْهيَّةُ المَشْهُورَةُ الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ) وَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ، يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمُجْتَهِدُ وَالْمُفْتِي كَثِيرًا.

وَقَدْ قَالَ السُّيُوطِيّ: يَرْجِعُ إِلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ غَالِبُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. وَمِثْلُهَا قَاعِدَةُ (إِنَّ الْأَمْرَ إِذَا ضَاقَ اتَّسَعَ وَالْمُرَادُ بِالاِتِّسَاعِ التَّرَخُصُ عَنْ اتَّبَاعِ الْأَقْبِسَةِ وَطَرْدِ الْقَوَاعِدِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الضِيقِ وَهُوَ الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ. غَيْرَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ مُقَيَّدَتَانِ بِقَاعِدَةٍ أُخْرَى هِيَ أَنَّ الْميَسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ) وَدَلِيلُهَا قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ