الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٠٢تطبيقات القواعد الفقهية ج 4
وأحوالها؛ لأنه لو شابهها في شيء من ذلك لجاز عليه جميع ما يجوز عليها في ذلك، فمن هنا كانت معرفة صفات الله تعالى تدرك من العقل وهو حجة فيها؛ لأنها من الكمالات الثابتة له تعالى بدليل العقل، سواء كانت تلك الصفات مما يجب إثباته الله تعالى كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة والقدم والبقاء، أو كانت من جانب السلب، أي من جانب النفي والاستحالة كالجهل والعجز والإكراه والصمم والعمى والحدوث والفناء، فإن هذه الأشياء منفية عنه تعالى، كما أن العلم والقدرة والإرادة وما بعدها ثابتة له تعالى بطريق العقل، كذلك أضدادها منفية عنه بطريق العقل، والعقل في جميع ذلك حجة، فمتى ما خطر على البال شيء من هذه الصفات، وجب على المكلف إثبات ما كان في حقه تعالى ثابتا ونفي ما كان في حقه تعالى مستحيلا. وكذلك يجب عليه إثبات الصفات الجائزة له تعالى كإيجاد الخلق وإفنائهم، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإثابة المطيع، وعقوبة العاصي، إلى غير ذلك من الأفعال الجائزة في حقه تعالى، فإنه ليس له بعد خطور ذلك بباله أن ينفي شيئا منها، ولو لم يسمع بصحة ذلك من طريق السمع، فإن العقل هو الحجة في إثبات صحة ذلك.
أنظر: المعارج المقدمات ص 228 فما بعدها؛ بيان ما تكون فيه الحجة من العقل. يتبن من ذلك أن الحكم العقلي ينحصر في ثلاثة أمور لا رابع لها الوجوب والاستحالة والجواز. فالواجب ما لا يتصور في العقل عدمه والمستحيل مالا يتصور في العقل وجوده والجائز ما يصح في
العقل وجوده وعدمه.
وأن الحكم: صفة ثابتة للفعل، والشرع كاشف له، كما أن الحكم العقلي كاشف لما علم بطريق العقل، فعرف ما هو حسن في نفسه وقبيح في نفسه. مالم يرد في ذلك شرع بخلافه؛ ذلك لأنه لا يتوقف على شرع ولا على تجربة إنما تؤخذ صفته بالعقل المجرد، وعقول المكلفين متفاوتة، ودرجاتها متباينة، ولكن ما اتفق عليه من الإثبات والنفي هو حكم العقل، سواء كان ضرورياً أي: لا يحتاج في استنباطه إلى التأمل، أو كان نظرياً. أي: يحتاج في استنباطه إلى تأمل. واعلم أنّ العقل حجة فيما جعله الشرع حجة فيه وليس حاكما بذاته وأن الشرع هو الذي حكم بتكليف المكلفين من الخلق، وبإلزام الأمور العقلية مع إدراك العقل لها ومعرفته إياها، وبإلزام الأمور السمعية مع قيام حجة السمع بها. فجعل الشرع العبادات نوعين: أحدهما تقوم حجته من العقل وهو الأمور المعقولة الواجبة في حقه تعالى، والثابتة له، والمستحيلة في حقه. وثانيهما: تقوم حجته بالسمع وهو ما عدا ذلك من
101