تطبيقات القواعد الفقهية زهران بن ناصر بن سالم البراشدي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

تطبيقات القواعد الفقهية

140

فَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا تَكُونُ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ فِيهِ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَةِ عَنْ الْعَادَةِ: الْغُسْلُ، يَكُونُ تَبَرُّدًا وَعِبَادَةً، وَدَفْعُ الْأَمْوَالِ، يَكُونُ صَدَقَةً شَرْعِيَّةً وَمُوَاصَلَةً عُرْفِيَّةً، وَالْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ، يَكُونُ عِبَادَةً وَحَاجَةً، وَحُضُورُ الْمَسَاجِدِ، يَكُونُ مَقْصُودًا لِلصَّلَاةِ وَتَفَرُّجًا يَجْرِي مَجْرَى اللَّذَّاتِ، وَالذَّبْحُ، قَدْ يَكُونُ بِقَصْدِ الْأَكْلِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّقَرُّبِ بِإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، فَشُرِعَتْ النِّيَّةُ لِتَمْيِيزِ الْقُرَبِ مِنْ غَيْرِهَا.

أَمَّا نِيَّةُ الْقُرْبَةِ فِي الْعِبَادَاتِ، فَهِيَ لِتَمْيِيزِ مَرَاتِبِ الْعِبَادَاتِ فِي نَفْسِهَا، لِتَتَمَيَّزَ مُكَافَأَةُ الْعَبْدِ

عَلَى فِعْلِهِ.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: فالصَّلَاةُ، تَنْقَسِمُ إِلَى فَرْضِ وَمَنْدُوبٍ، وَالْفَرْضُ يَنْقَسِمُ إِلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قَضَاءً وَأَدَاءَ، وَالْمُنْدُوبُ يَنْقَسِمُ إِلَى رَاتِبٍ كَالْعِيدَيْنِ وَالْوِتْرِ، وَغَيْرِ رَاتِبٍ كَالنَّوَافِلِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قُرُبَاتِ الْمَالِ وَالصَّوْمِ وَالنُّسُكِ. ثَالِثًا: الْأَعْمَالُ الْوَاجِبَةُ الْمَأْمُورُ بهَا مِنْ غَيْرِ الْعِبَادَاتِ أَوْ الْمَنْبِي عَنْهَا لَا تُعْتَبَرُ قُرُبَاتٍ فِي ذَاتِهَا، لَكِنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ قُرُبَاتٍ إِذَا نَوَى بِهَا الْقُرْبَةَ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَاجِبَاتُ الَّتِي تَكُونُ صُوَرُ أَفْعَالِهَا كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهَا، كَدَفْعِ الدُّيُونِ، وَرَةِ الْمَغْضُوبِ، وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ، وَالْأَقَارِبِ، وَعَلَفِ الدَّوَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ انْتِفَاعُ أَرْبَابِهَا، وَذَلِكَ لَا يَتَوَفَّفُ عَلَى قَصْدِ الْفَاعِلِ لَهَا، فَيَخْرُجُ الْإِنْسَانُ عَنْ عُهْدَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا، فَمَنْ دَفَعَ دَيْنَهُ غَافِلًا عَنْ قَصْدِ التَّقَرُّبِ أَجْزَأَ عَنْهُ، أَمَّا إِنْ قَصَدَ الْقُرْبَةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ، وَإِلَّا فَلَا وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنْ الْأَعْمَالَ، يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ مِنْ عُهْدَتِهِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ فَإِنْ نَوَى بِتَرْكِهَا وَجْهَ اللَّهِ الْعَظِيمِ فَإِنَّ

التَّرْكَ يَصِيرُ قُرْبَةً، وَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ الثَّوَابُ لِأَجْلِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ. وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَإِنَّ صِفَتَهَا تَخْتَلِفُ بِاعْتِبَارِ مَا قُصِدَتْ لِأَجْلِهِ، فَإِذَا قَصَدَ بِهَا التَّقَوِيَ عَلَى الطَّاعَاتِ، أَوْ التَّوَصُّلَ إِلَيْهَا كَانَتْ عِبَادَةً وَقُرْبَةً يُثَابُ عَلَيْهَا.