تطبيقات القواعد الفقهية زهران بن ناصر بن سالم البراشدي

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٠٤

تطبيقات القواعد الفقهية ج 4

وَأَمَّا ثانيا: فقد روي عن أم سلمة أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الذِي يَأْكُلُ ويَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذهبِ وَالفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»، وفي رواية عن أنس «أَنَّهُ نَهَى عَن الأَكْلِ وَالشُّرِبِ فِي إِنَاءِ الذهَبِ وَالفِضَّة». ففي هاتين الروايتين النصُّ عَلَى أنَّ الأكل مساو للشرب في هذا الحُكْم؛ فهو دليل لأصحابنا في امتناعهم عن ذلِكَ فسقط اعتراض أبي مُحَمَّد عَلَيْهِم.

وَأَمَّا قوله: "وقد يردُ الشرع بتحريم الأخفّ وإباحة الأعظم منه" فمردود؛ لأَنَّ ذَلِكَ أمرٌ لَمْ يعهد في الشرع، بل المعهود أنَّ الشارع إذا حرَّم شيئا حرَّم ما هو أشدّ منه في ذَلِكَ المعنَى؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى قد حرَّم التأفيف للوالدين في قوله: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٌ، وأجمعت الأُمَّة عَلَى تَحريم ضربهما لهذه الآية؛ لكونه أشدَّ إيذاءً لهما؛ فإذا حرّم التأفيف الذي أخفُ أذى من الضرب وجب تحريم الضرب لكونه أشدَّ منه.

هو

وهذه العلك فيها ما فيها، فإنَّ التعليل بتضييق النقود يمنع من التحلي بها وجعلها سبائك ونحوها مما ليس بآنية ولا نقد، والفخرُ والخيلاء حرام بأي شيء كان وكسر قلوب المساكين لا ضابط له، فإنَّ قُلوبَهم تنكسر بالدور الواسعة والحدائق المعجبة، والمراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللذيذة، وغير ذلك من المباحات، وكُلُّ هذه علل منتقضة، إذ تُوجد العِلَّةُ، ويَتَخلَّف معلولها. فالصواب أنَّ العِلَّة - والله أعلم ما يُكْسِب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاةً ظاهرة، ولهذا عَلَّل النبي الله بأنها للكفار في الدُّنْيا، إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة، نعيمها، فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا، وإنما يستعمِلُها مَنْ خرج عن عبوديته، ورَضِي بالدنيا وعاجلها من الآخرة. قلت والبحث عن العلة هنا مجرد استنباط من فهم النص من المجتهدين جزاهم الله خيرا عن الإسلام والمسلمين وقد سبق في الكلام على الحكم الشرعي هل يحتاج إلى التعليل أم لا؟ وأن القول بعدم التعليل هو الصحيح بدليل أنَّ كثيرا من الأحكام الشرعية الواردة عن الشارع لم تظهر لنا علتها ولا يلزمنا البحث عن عللها وإنما علينا التسليم والانقياد لحكم الشارع فما كان من إناء ذهب أو فضة وجب علينا تجنب الأكل والشرب فيه امتثالا لأمر الشارع ونهيه.

203