الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٥تطبيقات القواعد الفقهية
183
فإن ظهر له بعد ذلك بطلان الحكم بطلانا مطلقًا لمخالفته أحد الأصول الثلاثة: الكتاب أو السنة أو الإجماع؛ أو قواعد الأحكام المعتبرة مع أهل هذا الفن ولم يوافق الحق على الإطلاق رجع عنه، ولغيره من الحكام إبطاله.
أمَّا إِنْ وافق الحقَّ ولو قولا واحدا من أقوال أهل العلم المعتبرة؛ فلا يجوز له الرجوع عنه في تلك الواقعة التي انتهى فيها الحكم، كما ليس لغيره من الحكام نقضه، لكن في مستقبل أمره عليه الأخذُ بالأعدل والأرجح من الأقوال، وذلك في الأمور الإجتهادية كما
مر.
فإذا حكم الحاكم فيها باجتهاده - وكان حكمه موافقا للحق - فليس له الرجوع عن حكمه الذي حكم به، ولو أدى به اجتهاده فيما بعد إلى أنَّ الأصوب خلافه، وإنما عليه في المستقبل من أمره أن يأخذ بما يراه أعدل وأصوب في نظره فليتنبه وكذا الحال في المفتي
والدليل على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع والعقل أما الكتاب فقوله عل في قضية الأسرى يوم بدر (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) " لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) الأنفال.
فإنَّ رسول الله الهلال و الحكم فيهم باجتهاده قبل نزول الوحي عليه، ونزلت الآيتان عتابا له بعد ذلك، ولم يأمره الحق سبحانه وتعالى بالرجوع عن ذلك الحكم؛ بل أباح له ولأُمَّتِه الانتفاع بتلك الغنائم، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) الأنفال، ولو كان الرجوع واجبا عليه لأمره به ولنفذه ولما لم يأمره بالرجوع لم يَرُدَّ حُكمَه فدل على عدمه. والأمثلة على ذلك من كتاب الله كثيرة.