الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٩28
تطبيقات القواعد الفقهية ج 5
وذلك بدليل قوله قبل ذلك: " ألا ترى أنَّ الحكام قد كلفوا أن يحكموا بالظاهر بما هو عندهم صواب، ولا يجوز أن يكونوا مخطئين إذا اجتهدوا وفعلوا ما أمرهم الله به من الظاهر، وإن اختلفوا في مقادير النفقات، وقيم المتلفات وأرش العيوب والجراحات وفي جزاء الصيد ولا يعتقد أحد منهم تخطئة صاحبه فيما خالفه، لا يدعي عليه الخطأ في حكمه، بل كل واحد منهم يصوب صاحبه وإن خالفه في تقديره.
وإنَّ من حكم منهم للمطلقة بنصف درهم أو قيمته نفقة لها في كل يوم، لم يُخَطَّى من حكم لها بدانقين أو قيمتهما، ولا يدعي أن قوله أولى بالصواب من قول صاحبه؛ (لأنهما وكلا) في هذا الحكم إلى ما عندهما من غلبة ظنهما، وما تسكن إليه نفوسهما أنه كاف لمن يحكمون له به وعليه، ولم ينصب لهم مع ما كلفوا دليل يعملون عليه، ولا علم يقصدونه أكثر من اجتهادهم، وقال الله عز وجل: (عَلَى الْمُوسِع قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ) 236 البقرة.
فهذا في بعض المطلقات، وليس يرجعون في هذا إلا إلى ما ظهر لهم من أمر من يحكمون عليه بما يغلب على ظنونهم، وتطمئن إليه نفوسهم، ولا أقول إن كل حكم هذا طريقه؛ لأن من الأحكام ما قد وقف الحكامُ عليها، ومنها ما قد وكلوا في اجتهادهم فيما يحقق نحو قوله: "وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" 233 سورة
البقرة.
وقال: " مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ" المائدة. 89
فالمعروف إنما يرجعون إلى عادتهم في غالب ظنونهم من بعد اجتهادهم، والذي عندي - والله أعلم - أنَّ المعروف في النفقة هو دون السرف وفوق التقتير؛ ولذلك أقول: إنَّ
28