تطبيقات القواعد الفقهية زهران بن ناصر بن سالم البراشدي

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٨٠

79

تطبيقات القواعد الفقهية ج 5

وإذا أمعنت النظر في ذلك تبين لك أنَّ كل ما كان مخالفا لروح الدين الذي ارتضاه الحق لعباده وأراده لهم شرعةً ومنهاجا غير معتبر عند الله ورسوله والمؤمنين، ولو ألفه الناس واعتادوه ومشوا عليه أزمنة وأحقابا وبالتالي فلا محل لهذه الدعوى أعني دعوى المساوئ للعرف؛ لأنَّ أصلها الذي استندت عليه غير معتبر شرعا فهو: {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُنَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)) إبراهيم. فافهم ذلك فإنه مزلة

أقدام. فالعرف في نظر الشريعة لا تكون له القوة الفعَّالة قوة الإلزام إلا إذا كان عرفا صحيحًا مستندًا إلى أصل شرعي وغير متعارض مع نص شرعي أو مقصد من مقاصد الشريعة، وإذا كان كذلك فلا يكون مانعا من التقدم كما ادعاه بعضهم، وإذا كان العرف صحيحًا وجب العمل به، ووجب تحكميه وتطبيقه، وهو بهذا المعنى أقوى من العادة عند من فرق بينهما؛ لأن العادة غير ملزمة لذلك، فلا تثبت الحقوق بمثل عادات التهادي والمناسبات والأعياد وما يبذله التجار لعملائهم من التسهيلات والهدايا لترغيبهم في الشراء، وما يجري بين الجيران على سبيل التسامح، فكل هذه الأمور لو ادعاها مدع أمام المحاكم لا تسمع دعواه، ولا يقضى له بها؛ لأنها وإن جرت بها العادة، فإنها لم تبلغ مبلغ العرف حتى تصير لها القوة الإلزامية التي له.

وقد اعتمدت الشريعة الإسلامية العرفَ فيما لا نصَّ فيه حيث لا مجال للاجتهاد مع النص، وقد كان اعتماد الشريعة الإسلامية على العرف ناشئًا من إقرار الأحوال المعتمدة في التشريع الإسلامي، وهي تأخذ به وتعتمد عليه في استنباط الأحكام

79