تطبيقات القواعد الفقهية زهران بن ناصر بن سالم البراشدي

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٤٧٤

473

تطبيقات القواعد الفقهية ج 5

اعلم أن علماء الأصول يقولون: إن الإنسان لا يحرم عليه فعل شيء إلا بدليل من الشرع، ويقولون إن الدليل على ذلك عقلي، وهو البراءة الأصلية المعروفة بالإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل عنه

ونحن نقول: إنه قد دلت آيات من كتاب الله على أن استصحاب العدم الأصلي قبل ورود الدليل الناقل عنه حجة في الإباحة، ومن ذلك أن الله لما أنزل تشديده في تحريم الربا في قوله تعالى ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ الله﴾ [البقرة: 279] الآية، وكانت وقت نزولها عندهم أموال مكتسبة من الربا، اكتسبوها قبل نزول التحريم، بين الله تعالى لهم أن ما فعلوه من الربا، على البراءة الأصلية قبل نزول التحريم لا حرج عيلهم فيه، إذ لا تحريم إلا ببيان، وذلك في قوله تعالى: {فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى

فَلَهُ مَا سَلَف} [البقرة: 275] وقوله: ما سلف أي ما مضى قبل نزول التحريم.

ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النساء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22] وقوله تعالى ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الاختين إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23] والأظهر أنَّ الاستثناء فيهما في قوله: ﴿إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. منقطع أي لكن ما سلف من ذلك قبل نزول التحريم، فهو عفو، لأنه على البراءة الأصلية.

ومن أصرح الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهِ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حتى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115] لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استغفر لعمه أبي طالب بعد موته على الشرك، واستغفر المسلمون لموتاهم المشركين عاتبهم الله في قوله مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُولي قربي} [التوبة:

473