الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ١٥٦155
قُبَيلَةٌ لا يغدرون بذمة … ولا يظلمون الناس حبة خـ
ردل
ولا يردون الماء إلا عشية … إذا صدر الورّادُ عن كل منهل
6
ومعلوم أنَّ الناس يتمدحون بنفي الغدر والظلم عن أنفسهم، وهو في هذا الموضع ذم وهجاء، فخرج اللفظ مخرج الهجاء فكان معناه أنهم أقل من أن يوثق لهم بذمة يغدرون بها، وأعجز من أن يظلموا أحدا، فكانت دلالةُ الحال ناقلةً لحكم اللفظ إلى ضد مقتضاه وموجبه لو كان وروده مطلقا.
ومما اعتبر في هذا المعنى من مسائل الفقه قولهم في من قامت امرأته لتخرج فقال لها: إن خرجت فأنت طالق أنها إن قعدت ثم خرجت بعد ذلك لم
يحنث.
183
قال الباحث وهذه المسالة تدخل فيما يسمى بيمين الفور وهي التي تكون جوابا يُقصد به الحال، وسميت يمين الفور باعتبار فوران الغضب وهي مؤبدة لفظا، مؤقتة معنى؛ أي يُقصد بها الحال الذي وقعت فيه؛ كأن تكون جوابا لكلام يقصد به الحال، فمثلا: أن يقول شخص لآخر تَغدَّ عندي فيجيبه: إن تغديت فعلي كذا وكذا، أو فعبدي حر، أو علي كذا وكذا، فيحمل على الغداء الحالي وفي محل الطالب، ليتطابق الجوابُ مع الطلب بدلالة الحال، لأنَّ مفهوم الطلب أن يتغدى معه تلك اليوم.
أَوْ مَا يَكُونُ بِناءً على أَمْرٍ حَالي، كأن تريد زوجه الخروج وقد تهيأت له، فيقول لها: إن خرجت فأنتِ طالق. فمكثت مدةً يمكنها فيها الخروج ولم تخرج، ثم خرجت بعد ذلك؛ فلا يقع طلاقها على هذا المعنى على قول، ونسب إلى أبي حنيفة وهو من
183 - الفصول في الأصول. أحمد بن علي الرازي الجصاص (305 - 370 هـ (1/ 50. ببعض تصرف.