الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٢٨١280
الباحث: إعلم أنَّ العالم الذي يلزمه أن يُنكر ما وصل إليه علمه من الأقول والتصرفات هي: تلك الأقوال والتصرفاتُ المخالفة لشريعة الله عز وجل مع
وجود القدرة على ذلك؛ لأنه منكر والمنكر يجب تغييره على القادر عليه.
أما إن كانت تلك الأقوال والتصرفات غير مخالفة للشرع، وهي مما يجوز الاختلاف فيها بالرأي أي من الأمور الاجتهادية التي ليس فيها دليل قاطع، أو فيها عدة أدلة ظنية متعارضة قابلة للترجيح، ولها وجه وجيه في الشريعة المحمدية والقائل بذلك القول قد بناه على استدلال صحيح، فعلامَ يَنكُر قولا أو فعلا قابلا
للحق وله أدلته ووجاهته؟ ولم يخالف الكتاب ولا السنة ولا الاجماع الصحيح.
ذلك مما لم يقل به أحد، ولو كان مخالفا لاجتهاد العالم السامع الشخصي، ما دامت المسألة اجتهادية وهذا ما وقع في عهد الصحابة له فقد كانوا يُفتون في كثير من المسائل ويختلفون في الرأي ولم يعنف كل صاحبه ما دام لقوله وجه
صحيح.
فإذا سكت العالم عن الإنكار في مثل ذلك دل سكوته على تسويغه معه، وأن ذلك القول أو الفعل له وجه من الحق، لكن لا يعد ذلك حجةً على الكافة بحيث يكون إجماعا لا يصح خلافه؛ ما لم يصح خلافه؛ ما لم يصح إطباق جميع علماء الإسلام على ذلك،
وترجيحهم ذلك الرأي على سائر الآراء في المسألة، وإجماعهم على ترك ما عداه. وهذا أمر متعذر بعد انتشار الإسلام وتفرق المسلمين في شتى بقاع الأرض، وتفرق المسلمين إلى مذاهب متعددة ونزعات متفرقة وتعصبات ممقوتة ودعوات ما أنزل الله بها من سلطان تفرّق ولا تؤلّف وتشتت ولا تجمع، وتبعثرُ ولا تَلُمّ، والأمر لله
وحده.