الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٢٨٧286
وهذا الذي يوجبه النظر؛ لأن طاعة الحاكم واجبة عليه، فإذا امتنع من طاعة الحاكم لزمه الحبس وهو عاص في فعله، وعلى المسلمين أن يُعينوا الحاكم عليه، وليس للحاكم أن يعذره من أن تكون الدعوى التى ادعيت عليه صحيحة، أو أن يدرأها عن نفسه بيمين. ويدل على هذا قول الله تعالى: (وَلِيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) فللحاكم أن يأخذه بالذي عليه وهو أحد شيئين إمَّا الدعوى وإما اليمين، ولم يصح للمدعي حق بعد فيلزمه إياه.
واتفق أصحابنا على القول برد اليمين إذا طلب ذلك المدعى عليه، ووافقهم على ذلك مالك بن أنس، وأمَّا الشافعي وأبو حنيفة فلم يريا رد اليمين على المدعي إذا طلب المدعى عليه ذلك، إلا أنَّ الشافعي أوجب اليمين على المدعي إذا شهد له شاهد على دعواه، وإن لم يُرد المدعى عليه ذلك، وجعل يمين المدعي مع شهادة
شاهد.
فإن قال قائل ممن لم يرَ رَدَّ اليمين على المدعي: فلِمَ قلتم ذلك والسنة دالة على خلاف قولكم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"؟ قيل له: بل السنة دالة على صحة ما قلناه ومبينة لإغفالك، ونحن أولى بموافقة السنة والعمل بها، ومن أسقط بعضها أو فائدة بعض أخبارها كان خارجا عن حكمها؛ بقول النبي صلى الله عليه وسلم "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" [أي] إذا اختار أن يحلف.
فأما إذا رغب أن يحلف المدعي على ما يدعي من صدقه عند نفسه، ويسلم إليه، استعفى من اليمين، لما روي عن النبي أنه لما اعتل ودخل عليه الناس يعودونه وكان شادا رأسه بعصابة فجلس وقال: "يا معشر النَّاس مَن يدعي عليَّ حقاً، أو