الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤تطبيقات القواعد الفقهية
272
المسألة الثالثة
في حكم الميراث في طلاقها في المرض
قد علمت - مما سبق ومما سيأتي إن شاء الله وعمل أيضا - اختلاف الفقهاء في ميراثِ المبتوتة في مرض الموت، وينحصر ذلك حسبما يبدو في إطلاقين وتفصيل. الإطلاق الأول: أنها ترث مطلقا، لأنه طلاق ضرار وفرار عن الحق، ومن فر عن الحق رد إليه، واستدلوا بمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَرَّثَ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَكَانَ قَدْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَصَارَ إِجْمَاعًا. ورُدَّ بأن لا إجماع، إذ وَرَدَ الخلافُ بين الصحابة في المسألة، واختلافهم يَدُلُّ على عدم الإجماع، ويبقى أن ذلك مذهب صحابي فقط.
وفيه روايتان إحداهما: أن عبد الرحمن مات وهي في العدة وهو من طريق ابن الزبير، والأخرى أنه مات بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. وهو من طريق ابن شهاب عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف؛ ربَّحَ الشافعي وغيره رواية ابن الزبير أنه مات وهي في عدتها، لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ الزُّبَيْرِ مُتَّصِلٌ وَهُوَ يَقُولُ وَرَّتَهَا عُثْمَانُ فِي الْعِدَّةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ مُنْقَطِعٌ. وقد وردت روايات كثيرة موقوفة على جملة من الصحابة متباينةً في الحكم فقد روي عن علي اللْمُطَلَّقَةُ فِي الْمُرَضِ تَرِثُ، وروي عنه من طريق قتادة لا ترث مبتوتة (462)
1 - وقد ناقش ابن حزم تلك الروايات ومن جملة ما قاله … وَقَالُوا: هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ؟ فَقُلْنَا: كَذَبَ مَنْ قَالَ هَذَا، أَشْنَعَ كَذِبٍ، إِنَّمَا جَاءَتْ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ مُتَنَاقِصَةٌ عَنْ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَط عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِي، وَعَائِشَةَ أُمِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَبَيَ بْنِ كَعْبٍ. أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيِّ فَسَاقِطَةٌ مَفْضُوحَةٌ، وَلَمْ تَصِحَ قَطُّ، لأَنَّهَا عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَعَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَلِيِّ، ثُمَّ لَيْسَ عَنْهُ إِلَّا الْمُطَلَّقَةُ فِي الْمَرَضِ تَرِثُ - وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهَا تَرِثُ مَا لَمْ تَكُنْ مَبْتُوتَةً، وَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّهَا تَرِثُ فِي الْعِدَّةِ دُونَ مَا بَعْدَ الْعِدَّةِ، وَلَا أَنَّهَا تَرتُ إلَّا أَنْ يَصِحَ - فَهيَ رِوَايَةٌ عَلَى سُقُوطِهَا غَيْرُ مُوَافِقَةٍ لِتَحَكُم