الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٤٦٥464
قوله: «قلنا فيه شَرَّا»: أي ساء ظنُّنا فيه حين علمنا منه الشرَّ؛ لأنَّ العادة محكمة، ومن أكثر من شيء عُرف به.
إذا عُرف الكذَّابُ بالكذب لم يكن … يصدَّق في شيء وإن كان صادقًا
فلما عرف منه سوء حاله أثر في النفس سوء الظن به في سائر أحواله، ويقال: إنَّ قرائن الأحوال تغلّب أحد الجانبين، فإن ظهرت قرينة سوء وخبث ونكث العهد وما أشبه ذلك حصل معه سوء الظن، وإن ظهرت قرينة صدق وصلاح ووفاء لم يظنَّ بِهِ ذلك وقوله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِ الحجرات: 12 / يشير إلى هذا المعنى، وَهُوَ وجه الجمع بين هذا الأثر وبين ما تقدم من التحذير من سوء الظن، وجاءت أحاديث في الاحتراس بسوء الظنّ من الناس فتحمل على من ظهرت منه قرائن السوء، وَقِيلَ: إذا كان سوء الظنّ على طلب السلامة من الناس لم يأثم صاحبه. والله أعلم. شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي باب ما جاء أنَّ. سوء الظَّنِّ جائز فيمن عُرِفَ بالسُّوء. ج 3 ص 518. وقال أبو ستة له في حاشية الترتيب هذا الأثر استدل به أصحابنا رحمهم الله على وجوب ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص، وفيه زيادة على رواية المصنف رحمه الله، هي نص في المقصود، قال في القواعد: وقال عمر: "من رأينا منه خيرا قلنا فيه خيرا وظننا فيه خيرا وتوليناه، ومن رأينا منه شرًا قلنا فيه شرًا وظننا فيه شرا وتبرأنا منه." اهـ
"ففي هذا الأثر جواز ظنّ السوء بالمنافق للاحتراس منه مثلا، ولكن لا يجوز القطع بذلك لقوله:"إذا ظننتم فلا تحقّقوا أنظر الحاشية ج 6 ص 145. ولأجل هذا أحدث أئمة العلم علم الجرح والتعديل قال القطب في شرح النيل" في باب التزكية والتجريح ج 13 ص 247 فما بعدها ط جدة: - فَقَوْلُهُ: قُلْنَا فِيهِ خَيْرًا تَزْكِيَةٌ، وَقَوْلُهُ: وَقُلْنَا فِيهِ شَرًّا تَجْرِيحٌ، فَأَخَذَ أَصْحَابُنَا التَّرْكِيَةَ وَالتَّجْرِيحَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلَيْسَ لَهُمَا ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَثُرَتْ شَهَادَةُ النُّورِ وَأَخْذُ الرَّشَا عَلَى الشَّهَادَةِ رَجَعَ الْقُصَاةُ يَسْأَلُونَ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ. وَذَكَرُوا عَنْ شُرَيْحُ قَاضِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ إِنِّي رَأَيْتُكَ أَحْدَثْتَ شَيْئًا لَمْ
تَكُنْ تَصْنَعُهُ قَبْلَ الْيَوْمِ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ؛ فَقَالَ لَهُ شُرَيْحُ لَما رَأَيْتُ النَّاسَ أَحْدَثُوا أَحْدَثْتُ لَهُمْ. وَفِي الْأَثَرِ: "تَزَكِيَةُ الشُّهُودِ لَمْ تكنْ عَن الرَّسُولِ وَلَا عَن الصَّحَابَةِ، قَالَ عُمَرُ: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.