الجزء السابع
الجزء ٧ · صفحة ٤٦45
يفخر بما يقع منه على سبيل الكثرة؛ فتكون "قد" هنا بمنزلة "ربما" في الكثرة انتہي؛ ففهم أنَّ "قد" - في البيت للتكثير وهذا ما فهمه الزمخشري من البيت، وتابعهما الشيخ جمال الدين عبد الله بن هشام، وزاد فقال في كتابه المغني ما
6
نصه: "الرابع -يعني من معاني التكثير - قال سيبويه في قول الهذلي:-
قد أترك القرن مصفرا أنامله … كأنَّ أثوابَه مُجَّت بفرصاد.
وقاله الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ البقرة. (144) قال: أي ربما نراه ومعناه تكثير الرؤية ثم استشهد بالبيت.
6
قلت: وهذا لم يقله سيبويه؛ وإنما فَهِمَهُ عنه أبو حيان، وليس جازما به -كما رأيت كلامه؛ بل قاله معارضةً لفهم ابن مالك، وهو معارض بفهم ابن مالك، وغاية الأمر أنَّ فهم أبي حيان، طابق فهم الزمخشري من البيت، وهذا لا يكفي في تسويغ النقل عن سيبويه أنه قال: إنَّ "قد" في البيت للتكثير - مع كون كلامه محتملا، وفَهم منه آخرُ المجتهدين في النحو وهو ابن مالك- التقليل. ثم أقول: الحقُّ ما فهمه ابنُ مالك؛ فإن الفخر يقع بترك الإنسان قِرْنَه -كأنَّ أنامله مجت بفرصاد - ولو في وقت واحد.
وقول شيخنا الإنسانُ لا يفخر إلا بما يصدر منه على سبيل الكثرة جوابه: أنَّ ذلك فيما يُمكن جريانه قليلا وكثيرا؛ فلا يفخر بقليله بل بكثيره، وأما ما لا يتفق
إلا نادرا ذلك فيما يمكن جريانه قليلا وكثيرا؛ فلا يفخر بقليله بل بكثيره. وأما ما لا يتقن إلا نادرا فإنه يقع الافتخار منه بالقليل؛ لاستحالة الكثرة، وترك الإنسان قرنه بهذه الصفة- لا يستحيل كونه كثيرا؛ وإنما يتفق نادرا فلذلك يفتخر به لأنَّ القِرن هو المقاوم للشخص؛ فلو فرض مغلوبا - معه- في الغالب، لم يكن قرنا له؛ فلا يكون المرء قرنا إلا عند المقاومة غالبا ثم يفتخر بأنه غلب
قرنه.