الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ١٩18
ولو قال: ارتفع بما يعود عليه من ذكره لقلت هذا قول الكوفيين، أي: هذا رأي هؤلاء، وهذا اعتقاد هؤلاء، ولا تقول كلام البصريين ولا كلام الكوفيين، إلا أن تضع الكلام موضع القول متجوّزاً ..
ومن أدلّ الدليل على الفرق بين الكلام والقول؛ إجماعُ الناس على أن يقولوا: القرآن كلام الله، ولا يقال القرآن قول الله، وذلك أنّ هذا موضع ضيّق متحجر، لا يمكن تحريفه ولا يسوغ تبديل شيء من حروفه، فعبر لذلك عنه بالكلام الذي لا يكون إلا أصواتاً تامة مفيدة، وعدل به عن القول الذي قد يكون أصواتاً غير مفيدة وآراء معتقدة.
قال سيبويه واعلم أنَّ قلتُ في كلام العرب إنما وقعت على أن يُحكى بها وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاماً لا قولا. ففرّق بين الكلام والقول كما ترى. نعم وأخرج الكلام هنا مُخرج ما قد استقرّ في النفوس وزالت عنه عوارض
الشكوك.
ثم قال في التمثيل نحو: قلتُ زيد منطلق، ألا ترى أنه يحسن أن تقول: زيد منطلق. فتمثيله بهذا يعلم منه أنّ الكلام عنده ما كان من الألفاظ قائماً برأسه مستقلاً بمعناه، وأن القول عنده بخلاف ذلك؛ إذ لو كانت حال القول عنده حال الكلام لما قدم الفصل بينهما، ولما أراك فيه أنَّ الكلام هو الجمل المستقلة بأنفسها الغانية
18 - الخصائص لابن جني أبي الفتح عثمان بن جني 17/ 1 - 18، الناشر: عالم الكتب، بيروت تحقيق: محمد علي النجار. وص 72 فما بعدها؛ تحقيق عبد المحسن هنداوي الناشر دار الكتب العلمية بيروت. ط الأولى 1421 هـ 2001 م وانظر: مفاتيح الغيب، ج 1 ص 25؛ فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - 1421 هـ - 2000 م الطبعة: الأولى